Warning: Creating default object from empty value in /home/macecc/public_html/wp-content/plugins/paged-comments/paged-comments.php on line 26
عشرون قصة وقصة – ناجي ظاهر | موقع ميس للثقافة العقلانية

عشرون قصة وقصة – ناجي ظاهر

 

عشرون قصة وقصة

 

 

 

 

 

 

 

 

بلاد الرعب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                               

 

 

                                        ناجي ظاهر

 

 

 

 

 

                           الأذن المعدنية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أذن. اذن بشرية تكبر. تكبر وتكبر في مساحة لا متناهية من السواد، المساحة السوداء تضيق بها هي أيضا، أما أنا فإنني انتظر أن تتقلص المسافة بيننا كي اهتف بها وكي أقول لها ما أريده، وما تريده نفسي المتعبة، أريد أن أقول لها … لن أقول لكم الآن. بعد قليل ستعرفون قصتي. ليس من المستحب أن أقول لكم كل ما أريد أن أقوله بهذه السرعة وبتلك السهولة التي يبحث عنها الناس في كل مكان من العالم.

الأذن تقترب مني أو ابتعد عنها، لا ادري ماذا يحصل لي معها، ما أدريه أنني ابحث عنها في عتمتها دون أن أحظى بمسافة من الاقتراب توصلني إليها.

هي بعيدة قريبة. هذا هو شانها وهذه هي حالتي معها، لا هي تختفي فارتاح ولا أنا أنسى أنها موجودة وبانتظار الإمكانية للوصول إليها.. فترتاح.. لا ادري.

اقترب منها فتبتعد وتبتعد فاقترب، مؤكدة بكل ما تقوم به من اقتراب وابتعاد، ما أدركته منذ كان الكلام، وهو أننا كلما حاولنا أن نقترب من الأشياء فإنها تبتعد، وكلما ابتعدنا عنها تقترب. ما يحصل معها يشبه ما يحدث لنا مع الكلاب الضالة. انتم تعرفون أننا كلما هربنا من كلب ضال، جرى وراءنا مثل أسد أفلتت منه فريسته وأراد أن يستردها، كما أنكم تعرفون أننا كلما تجرأنا وركضنا وراء الكلب الضال ذاته، هرب مـُخليـًا لنا الساحة بعد أن تأكد أننا لسنا عاجزين عنه وبإمكاننا أن نلقنه درسا في التعامل والآداب.

ويل لي من هكذا أذن ترفضني بقدر ما أريدها، وتهرب مني بقدر ما لدي من رغبة في الهمس فيها، حتى لا يطبق علي الفراغ والوحدة فكيـّهما، أنا أريدها، إلا أنها هي .. لا تريدني، وتبالغ في الجري مـُخلية ً مساحتها السوداء لمساحة اشد سواد ًا.

تظهر الأذن فيظهر الأمل في أن أجد مكانـًا لما يخالجني من عذاب وهجر، تسببت فيه تلك المرأة التي هي زوجتي، حتى ما قبل أشهر، أي حتى طردها لي من جنتنا لتصبح جنتها وحدها، حتى هذه الأيام السوداء حالكة السواد.

تختفي الأذن فيختفي الأمل، وأكاد اختفي أنا أيضا، وأبقى مختفيا حتى تعود الأذن ذاتها وليست سواها، لتظهر من بعيد ملوحة بأمل أوشك على الانتهاء، مثل شمعة في لحظاتها الأخيرة.

بين الظهور والاختفاء اقضي وقتا مديدا منتظرا، أن تظهر تلك الأذن وان تبقى في مساحتها، لا هي تظهر وتختفي ولا هي تختفي وتظهر، وإنما هي تبقى في موقعها لتمكنني من أن اهتف فيها ببعض ما أريد أن اهتف به من كلام حول عذاب طال.

هيهات أن تبقي تلك الأذن، فماذا بإمكانك أن تفعل يا أبا الشباب الخائب في مبتدئه ومنتهاه؟ ماذا بإمكانك أن تفعل يا حفيد تشيخوف، ويا ابن ناجي ظاهر؟ ماذا بإمكانك أن تفعل وقد خلعتك قبيلتك، مثلما يـُخلعُ الضرس من لثته الحية؟

أقترب من الأذن استدرجها أرجوها أن تقترب، إلا أنها ما أن تظهر حتى تختفي. ماذا علي أن افعل؟ ابحث عن سواها؟ أجل ولماذا لا أحاول؟ لماذا لا ابحث عن سواها.

أجوب أنحاء عالـَميي، الصغير والكبير، تقع عيناي على أذن معدنية، للعبة تركها ابني علاء هناك في صندوق العاب طفولته المولـّية الخائبة. تخطر لي فكرة لا البث أن أبادر إلى تنفيذها، اجل أبادر إلى تنفيذها، وماذا علي غير ثيابي؟ ماذا يمكن أن يمنعني عن ممارسة حقي في أذن تستمع إلي، أذن ٍ اسكب فيها بعضا من آلامي، أنا المخلوع أكثر من مرة؟ مرة من أحضان قريته المهجرة سيرين، وأخرى من أحضان أخي الراحل للتو، ومن أحضان الوالدة أيضا. وألان من أحضان زوجة لا تعد للعشرة؟

اقترب من أذن لعبة علاء المعدنية. تبقى في مساحتها، اجري لها امتحانا للتأكد من أنها تختلف عن تلك، فابتعد، غير أنها تبقى في موقعها اطمئن ولو مؤقتا، إلى أنني في يد أمينة. أقهقه في سري وفي علني أيضا. أنا في أيد ٍ أمينة. لكن هل أنا في أيد أمينة أم في أيد خائنة؟ لأقول لها لأحكي لها عما أردت أن احكي عنه لتلك الأذن في المساحة السوداء المترددة بين الظهور والاختفاء، لأحكي لها عن قصة عذابي من ألفها حتى يائها، لأفرط عقد كلماتي من قريتها المجرة حتى قرينتها الظالمة.

اقترب من أذن اللعبة المعدنية، تبقى في موقعها وكأنما هي تستعد للاستماع إلي، اقرب فمي منها، إنها لا ترفض، ولا تتردد، وإنما تبقى حيث هي، تبقى لتؤكد لي عدم جدوى الكلام، أقول لها: إنني وحيد فيرد الصدى من أعماقها أنا وحيد. اهتف بها أريد أن استرد موقعي ودوري في الحياة، في حياة أسرتي بالتحديد، فترد أريد أن استرد موقعي ودوري في الحياة في حياة أسرتي بالتحديد.

تفتح الأذن المعدنية ذاتها وتشرع مصراعيها على وسعهما، كما فتحت بوابة” مندلباوم” ذاتها قبل عام الـ67، إلا أنها تختلف عنها في أنها ترفض كل قادم جديد وطالب غفران من درب الآلام والجلجلة في القدس. هي إذنٌ بالاسم فقط، أما بالفعل فإنها قطعة من المعدن، لا حس ولا نبض ولا يحزنون فيها، بل يوجد هناك من يحزن بالقرب منها. آه أيتها الأذن لو انك تحولت إلى أذن بشرية تستمع إلى ما أريد أن اهتف به من عذابات تنوء بحملها الجبال الراسيات، آه لو انك نبضت في تلك المساحة في بلاد السواد.. آه.

اشعر بنوع من العجز.

أنا لا أريد أن استمع إلى صدى صوتي وإنما أريد أن استمع إلى صوتي، يتداخل في أذن بشرية، بعد ذلك لا يهم أن تكون تلك الأذن قابعة في مساحة من السواد أو في قمة جبل عال ليس فيه سوى البرد القاصم.

ماذا بإمكاني أن افعل والحالة هذه والألم يتحول إلى أذن معدنية ٍ للعبة ملـّها صاحبـُها فالقي بها في صندوق قديم للألعاب، تاركا إياها وراءه، غير أسف عليها؟

تعود الأذن البشرية في مساحة السواد إلى عهدها السابق، تظهر لتختفي، وتحتفي لتظهر، وأعود أنا إلى اللعبة ذاتها، اقترب فتبتعد وابتعد فتقترب، اللعبة ذاتها تتكرر، اللعبة ذاتها تعود على نفسها، لاكتشف أنها لعبة لا بد منها… أنها لعبة الأمل.

 

 

 

 

 

 

                                 

                            أدراج حمر

 

 

 

 

 

 

 

 

ميمعة، معمعمة، معمعان، ساحة وغى، معركة، كلها مسميات لمعنى واحد، هو الحرب بواحد من مفاهيمها. نعم الحرب. هذا ما أحسسنا به نحن أبناء العائلة الفلسطينية من أصل مهجر، طوال الوقت. وكما تعرفون فان الحرب تضع أوزارها، ما هذه الكلمة الفصيحة. تضع أوزارها. هه. غير أن أحدا منا لا يعرف من هو الغالب من المغلوب. كلنا غالبون وكلنا مغلوبون، وان كنا تهربنا من مثل هذا الاعتراف حتى لا يشمت احدنا بالآخر. ولماذا نسلم بالغلب؟ وكيف ستستمر الحياة إذا ما اعترفنا بأننا انهزمنا، فأدرك هذا من قبالتنا، ولتكن زوجتي، فاستدعى عازفي الطبول والزمور للاحتفال بمناسبة هزيمتنا السعيدة. تهربنا كلنا من هذا الاعتراف إلا حضرتي، فقد اعترفت بالغلب، ولم أتوان في رفع الراية البيضاء والخروج بها من بيتي، كي يستقبلني الفضاء الرحب مرحبا بي وبهزيمتي.

هكذا كانت البداية يا ولدي، أما ما تلاها فإنك لا تعرفه، هذه حكاية طويلة اعتقد أنها تحتاج إلى وقت لا يقل طولا عن طولها. إذا أردت سأبدا في روايتها. تهز راسك مستغربا يا ولدي ماذا تعني ؟ تريدني أن افهم انك لا تريد أن تسمع حكاية مطولة؟ طيب سأنزل عند رغبتك. أنا باختصار أتيت بعد سنوات الغياب الطوال لأكون بينكم، صحيح أنكم، أمك خاصة، قسوتم علي، إلا أنني أريد أن أعود إليكم، أريد أن اشعر بوجوي بينكم. أن أرى إلى أختيك، مؤكد أن الصغيرة شبيهة هيفاء وهبي، كبرت وتوجهت نحوها الأنظار على الطالع والنازل، أما تلك الأكبر منها قليلا، هندية الوجه، القد والمبسم، فاعتقد أن جمالها تسبب لك ببعض وجع الراس. صدقني يا ولدي إنني اشتقت إلى كل شيء، حتى أمك ومعاركها أضحت ذكراها هناك في قبري، مصدرا للحكايات، أروح بها عن نفوس جيراني، لقد أصبحت مشهورا بحكاياتي عنها فرويتها إلى جيران جيراني، وهؤلاء يريدون مني أن ارويها لجيرانهم. لقد أصبحت مشهورا بين الموتى. أصبحت معروفا في مجالسهم، فما أن يذكر اسمي بينهم حتى ترتسم الابتسامات على الوجوه، كأنما هي تريد أن تقول هذا الرجل يعرف كيف يروي حكاية تبهج من يستمع إليها رغم ما توحي به من معاني الألم. أمك يا ولدي.. ما الذي أراه على وجهك أإلى هذا الحد بات كلامي مملا، طيب طيب يا ولدي، جيراني الموتى سمحوا لي بالعودة إلى البيت مكافأة منهم لما أسمعتهم من حكايات.

هذا ما تريد أن تسمعه؟ تريد أن نصل إلى الكلمة الأخيرة لترتاح؟ ما أصعب هذا، ما أصعبه يا ولدي، أن يصبح الفتى العربي غريب الوجه واليد واللسان. طيب طيب، لا أريدك أن تتحدث عن المصاعب، فانا الفتها واعرفها وعلى استعداد للتعامل معها، الطريق التي قطعتها رافعا راية الاستسلام من بيتي إلى فضائي الأخير، وعيشي هناك سنوات، قوتني جعلت مني صنديدا ولا عنترة العبسي في أيامه المشهودة. هيا يا ولدي هيا أنا أريد أن أعود إلى  البيت، اشتقت إلى أكلات مقصوفة العمر أمك، اشتقت لأكلة اللوف، ولأكلتي الفقع والعكوب كمان. أمك أتقنت هذه الأكلة عملا بوصية من جدتك، حينما قالت لها قبل موتها بسنوات، اطبخي له العكوب هو يحب العكوب. إذا أردتِ أن يحل عن ظهرك اطبخي له هذه الأكلة. فعلا اشتقت لهلملعونة، اشتقت لصيحاتها وصرخاتها وهي تجلجل في أجواء البيت والحارة، اشتقت لتكسيرها لمزهريات الورد، ورميها هديتي اليها في عيد ميلادها، من شباك بيتنا، وهي توجه إلي الشتيمة تلو الشتيمة، يخرب شرّها شو كانت خفيفة دم، مفهمتش هذا كله إلا لما غادرت البيت.

إلى أين أنت ذاهب يا ولدي. هنا في الحي الشرقي بيتنا، تأخذني إلى الحي الغربي؟ هل انتقلتم للإقامة هناك بعد خروجي من البيت؟ والله بطلعلكم يا عم، وشو هم، أمك استفادت كثير من الغرب، والله بطلعلها إنها تقيم في الحي الغربي. الغرب خلى حكومتنا تسن قانون حماية المرأة. من يوم ما شرحت هذا القانون، ومن يوم قلت لامك إنه هذا القانون بمكن المرأة من إنها تطرد زوجها من بيته/ها، انقلبت حياتنا إلى جحيم، أمك بطلت تطبخ العكوب وبطلت بدها رضاي، ولا رضا أمي في قبرها، صارت كل ما دق كوزها بجرتي، تدخل عليّ في غرفتي، تنفش شعرها مثل الغولة، وتركض دوز دغري للبوليس، البوليس كان مرات يصدقها، ومرات يكذبها، بس لما شاف إنها أكثرت من التردد عليه، ومفيش على جسمها ولا علامة تبـّين إني ضربتها زي ما ادعت، بطل يرد عليها. والله مصيبة. بعدين اكتشفت أمك طريق المحكمة، في المحكمة قلت قدام الحاكم انا ببعد نفسي عن البيت، ابتسمت أمك، وراحت تعلك لبان وتقول أنا بديش أعيش مع هذا الراجل، ساعتها رفعت الراية البيضا ولم يعد أمامي مفر من المضي بعيدا بعيدا.

هون بيتنا؟ بتقول هون بيتنا؟ في الحي الغربي، ادخل، احنا في الطابق الثالث، أمك تغربنت يا ولدي، والله تغربنت، يعني صارت غربية، بعـّدت عن شرقيتنا، باعت البيت اللي دفعت فيه دم قلبي وسهر ليالي، باعته عشان تشتري هذا البيت في الطابق الثالث؟ وين رحت يا ولدي؟ وين وقفتني في هاي المتاهة، ورحت. بتفكر إني بقدر أتسلق كل هذا الدرج الأحمر المتداخل. انت بتقدر تتسلق هذا الدرج، أنا بعرف هذا وأختك، هيفاء وهبي وهديك هندية الوجه، كمان بتقدر إنها تتسلق هذا الدرج، بتفكر إني أنا بقدر؟ أحاول؟ طيب بحاول وشو علي، يللا يا هو يا معين. ولك يا ولدي الدرج بهتز من تحت رجلي، معقول أنا صرت ختيار إلى هذا الحد؟ معقول إنها اجري هي اللي بتهتز؟ مش الدرج يعني؟ طمنتني، الله يطمن بالك، يعني أنا بقدر أواصل تسلق درج إمك. يللا يللا، عليه الاتكال، أخ زلت قدمي عن الدرج، القاني يا زلمة ولك انت مش ابني؟ والله إني لما كنت أشوفك تقع على الأرض كان قلبي يسقط بين اجري، ومكنش يعود لمحله إلا بعد ما اطمن على إنها الوقعة سليمة، أما أنت مش مستعد انك تبقى معي تني أصل إلى الطابق الثالث، طابق امك؟ يللا هه، أنا اتعلقت بأيد الدرج، تعلقت فيها، ونفذت بجلدي، إذا كان الموضوع إني أنفذ بجلدي انت بتعرفش بعدك إرادة أبوك وقوته. يللا هه، هياني استعدت توازني، وهاي انا بحط اجري على الدرجة من جديد، وهاي أنا بطلع بطلع بطلع. بس لوينته بدي اطلع؟ شو يعني هذا الدرج بنتهيش؟ والا أمك عرفت انه البعبع رجع، فاستنجدت بالغرب وقوانينه كي تعيده إلى حيث أتي؟ لا لا يا ولدي، عندي إحساس إنها أمك تغيرت، الحجر هو اللي بتغيرش، أما امك هي كومة من المشاعر أنا بعرفها، ومين مثلي بعرفها. امك مهجرة زي حالاتنا. ضحك عليها الغرب بقوانينه، اللي اتبعها اليهود، بس أنا واثق من إنها ريحة أراضي قريتنا سيرين رايحة تردها لأصالتها، للوفها، فقعها وعكوبها. أنا واثق يا ولدي. عشان هيك أنا مـُصـّر على العودة إليها والى البيت. أنا واثق من إنها الحياة اقوي من الموت، انت بتعرف إني أنا عرفت هدول الاثنين، واني غلبـّت في النهاية الحياة لأنها أقوى. أخ اجري زلت مرة أخرى عن الدرجة الحمرا. ولك يا زلمة خذ بيدي، وين رحت. اخخخخ، هاي أنا قدرت إني استعيد توازني، هاي أنا عدت شيخ الشباب. إطلـّع؟ أنا لازم أظل طالع لفوق تني أصل لامك ست الجمال والدلال؟ طيب يا أخي، اللي يحب الجمال يسمح بروحه وماله. زي ما قال عبد الوهاب، وشو بتفكر انه عبد الوهاب أشجع من أبوك؟ لا يا ولدي أبوك زلمة قوي، كانت دايما أحلامه كبيرة، أبوك لما بقرِّر انه يصل، بوصل مهما طال الطريق، بعدين تنساش انه أبوك سار في أصعب طريق في العالم، طريق حكاية القصص، وأبوك قدر انه يخلـّي الأموات قبل الأحياء يهزو روسهم إعجابا بقصصه. ابوك قدها وقدود، وبقدر يصل.

أطلع كمان درجة؟ كمان درجه وبصل؟ فعلا أنا وصلت، أنا وصلت لشباك المطبخ، الشباك مفتوح، أنا بقدر ادخل منه، ادخل، آه بدي ادخل، منا جاي لهذا الهدف، مين هاي؟ هاي أمك؟ معقول بعدها واقفة في المطبخ من يوم ما تركتها قبل سنوات يخرب شرها بعدها زي ما هي، رابطة منديلها على جبينها ” أبو عقيلة” يعني زي العقال، وماسكة السكين وبتقطع. يخرب شرك يا مرة شو قطعت بحياتك، اسأليني أنا، أنا أكثر واحد في العالم عانى من تقطيعك. أمك مش شايفيتني بعدها مشغولة بالتقطيع، أخ أخ. زلت اجري مرة تانية عن الدرجة أنا اسه معلق بالهوا، الوقعة من الطابق الثالث في بيت في الحي الغربي ممكن إنها ترجعني إلى فضائي السابق، امك تسمع صوتي، اشعر في عينيها كلاما، هي  لا تريد أن تراني، لا الغربة ولا البعد ولا حتى الموت، مكـّنها من انها تغفر لي، ولك شو عملتلك يا بنت الحلال إحنا العرب بنستقبل عدونا وقاتل ابنا لما يفوت على بيتنا، انت مش عربية؟ بدكيش تشوفيني؟ طيب يا ست الحسن والدلال هذا من حقك زي ما قالت القاضية اليهودية، أنا بعرف انه محدا بقدر يجبر حدا انه يعيش معه. بعرف هذا كله. بس أنا كنت بفكر انه البعد عمل عمله وانك تغيرت. بعرف بعرف انه من الصعب على الإنسان انه يتغير. طيب يا عمي أنا تغيرت، انت بتفكري إني أنا بعدت عنك قبل المميعة، لأني كنت حابب إني ابعد؟ ولأنها كانت في امرأة أخرى في حياتي؟ ولك لا مكنش الأمر هيك، انت بتعرفي إني ابن مهجرين، حاولت كل الوقت إني اخلي هيفاء وهبي ترقص في بيتنا، وهديك الهندية تغنيلك أغاني هندية حبيتيها وانت تحضري الأفلام الحزينة المليانة بقصص الحب، تعبت وشقيت. يمكن أنا غلطت في إني وثقت بأنك انت قوية وبتختلفيش عني، يمكن أنا بالغت بإحساسي انك قوية وقلت لنفسي انك زيي، يمكن أنا غلطت. بس أنا دفعت الثمن لليهود وللغرب اللي اجو منه. شو بدك اعمل أكثر؟ أنا اسه راجع زيارة، زيارة قصيرة، بعدها رايح ارجع إلى فضائي اللامتناهي هناك، فضاء الموتى والحكايات. بدكيش أفوت على البيت؟ معقول هيك بتستقبليني، بعدك بتفكري إنها كانت في مرة تانية في حياتي؟ ولك مفيش لا مرة ولا بلوط، اللي فكرتيها مرة، كانت الحلم في إني اريحك وأريح أولادك، كانت الركض في صحاري الحكايات عشان امسك حكاية ترفعنا كلنا لفوق، المرة اللي فكرت في إني على علاقة معها كانت الكاتب في داخلي الكاتب إلي امتلأ راسه بالحكايات فاراد أن يبهر فيها الجميع. أنا كنت اركض وراء حكاية شارة مش ورا امرأة أخرى. يمكن كانت المرة الوحيدة المتربعة على سدة الحكاية الشاردة هي انت يا مجنونه. مش مصدقة؟ بتلوحي بالسكين في وجهي، بدكيش تستقبليني بعد كل هاي السنين؟ بدك تخليني أقع هاي المرة من شرفة المطبخ؟ بدك أعود إلى عالمي الآخر؟ إلى هذا الحد وصل حقدك علي؟ طيب طيب. اليهود علموك انه من حقك انك تحقدي على الرجل اللي كان زوجك وأبو أولادك، قالولك انه هذا من حقك. أي ي ي أنا بدي اسقط من الطابق الثالث، أنا بدي اسقط، انت قررت انك متوخذيش بأيدي عشان ارجع من حيث أتيت؟ هذا هو قرارك الأخير؟ أنا عارف إني رايح اسقط، عارف، عارف إني مش رايح اشوف لا بنتي شبيهة هيفاء وهبي ولا هديك أم الوجه الأسمر الهندي، مش رايح اشوف حدا. حتى ابني الشاب اللي أرشدني لطريق البيت الجديد في الحي الغربي وأدراجه الحمر، مش رايح اشوف حدا.. وين أنت يا ولدي؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                    ديوان دريد بن الصّمة

 

 

 

 

 

 

 

 

أتوقف بالقرب من مجموعة من المتجمهرين، هناك في منطقة الخانوق، إلى جانبي يتوقف شخص أجنبي، تعرفت إليه خلال سفري قبل قليل في الباص، كل منا يمعن النظر إلى المتجمهرين، ما الذي يجمع هؤلاء هنا، ولماذا هم يضعون رؤوسهم في الأرض لا يكادون يرفعونها إلا ليعودوا إلى ما كانوا عليه قبلها بثوان؟ حالة من حب الاستطلاع تجتاحني، أرى في عيني الأجنبي مثلها، يضاف إليها شره لم أره من قبل!!

يتقدم كل منا خطوة إلى الأمام، الخطوات تبدو مترددة، غير مدركة إلى أين هي متجهة، غير أنها ما أن تتبين ما يجري هناك، حتى ترتد إليها ثقتها، يدفعها إيمان عميق بأهمية ما يحدث وبأنه يوجد لها مكان بين هؤلاء، ليس مكانا عاديا بل متميزا، متميزا، بقدر ما دار من حديث بيني وبين ذاك الأجنبي، عن الكتب والحياة وأهمية المعرفة بالماضي خدمة ودعما للمستقبل، ربما لهذا لم استغرب بعد تعرفي إلى ذلك الأجنبي انه مستشرق، جاء إلى منطقتنا للتعرف إليها والى ما زخرت به من ثقافة، أدب وشعر.

يضع كل منا، أنا والأجنبي، رأسه بين الرؤوس، يكتشف انه عثر على كنز تمنى أن يعثر عليه منذ سنوات لا يدرى عددها لكثرة ما مضى عليها وتقادم، يأخذ كل منا في تقليب الكتب، أمامه، في كراتين بدا لنا أن أصحابها، وربما وارثيها قذفوا بها إلى قارعة الطريق، تاركين لآخرين أن يتصرفوا بها  كيفما شاءوا.

يأخذ كل منا في تقليب الكتب في الكراتين، ماذا عساني أن احمل من هذه الكتب؟ وكيف بإمكاني أن أحافظ عليه بين هذا الكم الهائل من الأيدي الممدودة كل منها يريد أن يأخذ منها ما تطاله يده، وما يريده عقله وقلبه، أتمكن من كرتونة، أتناول الكتب، أزيل عنها الغبار وانفضه، إنها مجلدات تمنيت أن احصل عليها منذ استمعت عنها بهذا الشكل أو ذاك، ما أجمل أن تجد هذه النسخة القديمة الرائعة من ألف ليلة وليلة، إنها طبعة كلكتا القديمة، هذه نسخة رائعة من رواية آنا كارنينا للكاتب الروسي ليو تولستوي، وتلك نسخة أروع من رواية مدام بوفاري، للكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير، روايات روايات روايات، ما أجمل هذا.

يضع كل منا الكتابَ على الآخر، تصبح لدية كومة لا باس بها، أنسى أنني لا استطيع أن احمل كل هذا الكم من الكتب والمجلدات، كل ما يبقى في ذهني ويلح علي هو انه بإمكاني أن أضيف المزيد من الكتب إلى ما سبق ووضعته جانبا، شاعرا أن الأيدي الأخرى لن تمتد إليها، بالضبط مثلما تفعل يداي.

أنا اجمع الكتب والأجنبي يجمع الكتب، بمحاذاتي، هو أيضا يحب الكتب لكنه لا يراكمها أمامه، ربما كان يبحث عن نوعية معينة منها، أراه يجمعها بحماس، فجأة استمع إلى لغط وصراخ، انظر حيث انطلق الصراخ، أرى الأجنبي يحمل كتابا عربيا قديما، ووراءه طفل صغير يصرخ عليه طالبا منه أن يعيده إليه، يتوقف الأجنبي للحظة، يتوقف في لامبالاة، كأنما من يصرخ لا يصرخ عليه، وكأنما هو يريد أن يوحي إليه أن ما حصل لا يستحق الصراخ وان الكتاب لا يعدو كونه واحدا من الكتب الكثيرة التي تتلاقفها الأيدي.

قبل أن تحدث الزيطة والزمبليطة، تمكنت من فهم كل ما حدث، كان ما حدث ذا أبعاد شديدة الحساسية، وتعني الكثير لدي طرفيها، الطفل العربي والأجنبي المستشرق، فالحديث يدور عن نسخة من ديوان للشاعر الجاهلي دريد بن الصمة، نسخة فريدة نادرة، طبعت بواسطة الحجر في أواخر القرن قبل الماضي، أما الزيطة، وما أدراك ما هي الزيطة، فقد حصلت حين استدعى الطفل من عرفت فيما بعد انه أخوه، فاطل هذا من زاوية الخانوق مثل أسد اخذ غرباء ابنه، كان يبدو في حالة لم أر مثلها من الغضب، انطلق الشرر من عينيه وتمددت عضلات جسمه، فبدت حاضرة لكل احتمال ابتداء من الحياة لمسرة للصديق وانتهاء بالموت المغيظ للعدو، بدا أن الأجنبي أدرك ما دار حوله، فتمسك بضالته وانطلق متجاهلا إياه، في محاولة منه للإفلات بجلده وبنسخة نادرة من ديوان لشاعر جاهلي، ربما جاء إلى بلادنا للحصول عليها أو علي مثيلات لها.

ركض الأجنبي وركض الشاب وراءه، في البداية حاول الأجنبي أن يتجاهل ما يدور حوله في محاولة منه للتغرير بمن يركض وراءه، إلا انه حين أحس بالخطر الداهم، اخذ ينظر إلي مستعطفا إياي في أن أساعده، حالة من الحيرة استولت علي، فماذا بإمكاني أن افعل؟ وأنا أريد من ناحية أن يعود الكتاب إلى أصحابه ومن أخرى لا أريد أن تحدث أمامي جريمة قتل بإمكاني أن امنعها؟

ركض الاثنان احدهما، الأجنبي، يريد أن ينفد بالكتاب النادر في يده، في البداية، وبعد ذلك بجلده وبالكتاب وبعدها بجلده، والآخر الشاب، يريد أن يسترد الكتاب الغالي عليه جدا جدا، ديوان دريد بن الصمة، في البداية، أما بعد ذلك فقد بدا أن رغبة قوية في القتل اجتاحته، وانه لن يهدا له بال إلا بقتل ذاك المختلس الهارب.

بين الاثنين وجدتني اركض، فانا أحب الجميع، بمن فيهم تولستوي وفلوبير، ودريد بن الصمة، بل إنني أحب الراكض والراكض وراءه، فكلاهما إنسان له أهل وأحباء، لهذا أنا ينبغي أن أؤدي دورا ايجابيا، لمليون سبب، منها أنني لا أحب القتل ولا أريد أن تصدر صحف الغد لتصف ابن بلدي بأنه قاتل مخرب وإرهابي!!

الغريب أن الاثنين بقيا يركضان، كأنما هما لم يركضا من قبل، والأغرب أنني أنا كنت افعل مثلما يفعلان، لكن إلى أين سنصل؟ إلى أين سيصل الاثنان، إلى أين سأصل أنا أيضا؟ وماذا سيكون في نهاية هذه المطاردة الحضارية؟ الأجنبي وضع حدا غريبا للمطاردة، إذ ما أن وصل إلى بوابة كبيرة، حتى فتحها ودخل إلى هناك مغلقا إياها وراءه ومتحصنا خلفها، هناك قبالة البوابة توقفنا أنا والشاب، الأسد الجريح، أما وراء البوابة فقد تحصن ذلك الأجنبي المستشرق، بعد دقائق، خلتها سنوات من الانتظار، ابتدأت المفاوضات على إعادة الكتاب إلى أصحابه، وأصر كل من الأخذ والمأخوذ منه على موقفه، فمن اخذ لا يريد أن يعيد ما أخذه ومن اخذ منه يـُصـِّر على أن يستعيد ما اخذ منه، وعبثا حاولت التوسط بين الاثنين، عبثا حاولت أن أوفق بينهما، حينما فشلت محاولاتي في التوسط بين الاثنين، شد الشاب قبالتي على ناجذيه، وقال انه لم يعد يريد الكتاب فحسب وإنما هو يريد أن يقتل منتزعه من أخيه الطفل، وكان يتذرع بحجة مفادها كيف تجرأ هذا الأجنبي على سلب ديوان دريد ابن الصمة، وهو الأغلى لدينا، وكيف يقتحم عقر بيتنا بمثل ما اقتحمه من فظاظة؟ هذا الأجنبي سوف يقتل، أما الأجنبي فقد راح يرسل نظرات متوسلة نحوي، فرحت أتوسل إليه أن يعيد الكتاب إلى أصحابه حتى يمكنني من الدفاع عنه، فانا لا أريد أن يقتل أمامي.. لا أحب أن أرى الدماء تجري أمامي كالأنهار.

 

 

 

 

 

 

                            قبرٌ وذكرى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الوقت ليل. الضباب ينتشر في كل مكان، ويمتد في  الفضاء اللامتناهي للتل، في كل بـُعد ٍ أرسل إليه نظري، أرى القبور منتشرة وكأنها من عهد عاد.

ما الذي جاء بي إلى هذه المنطقة، في تلك الساعة من ساعات الليل؟ اهو توق روحي إلى والدة راحلة للتو؟ أم قوة جذب زرعها المجهول في روحي منذ كنت صغيرا، فكمن هناك، وها هو يفاجئني في هذه السن وبعد أن شارف العمر على الخمسين.

القبور تنتشر على مد ِّ النظر، ابحث عن قبر يقدم لي الإجابة عن سبب مجيئي إلى هنا وفي هذا الوقت المتأخر من الليل بالذات.

 السبب سرعان ما يأتي حين أرى قبر أمي…، تنتصب أمي من قبرها رافعة وسطها العلوي كي تراني، ادقق النظر في منطقة القبور الممتدة، فأرى انه يوجد هناك الكثيرات من النساء في مثل عمر أمي، اكبر واصغر، وقد رفعن أنصافهن العليا من قبورهن، في حين بقيت أنصافهن السفلى هناك يغطيها اديم الارض.

اقترب من قبر أمي، أراها ترسل نظرة نحوي، إنها نظرة أسى على عمر كان من المفروض أن يمتد اكثر في عمر الزمن.

تقرأ أمي في عيني ما أردت أن أقوله لها، إنها الوحيدة في العالم التي قرأت دائما ما بداخلي، وأتقنت قراءته بحيث أن أمري لم يتلبس عليها، ولو مرة واحدة في العمر المديد/ القصير الذي قضيناه معا، ومر في لمح البصر أو اقل قليلا.

-       أنت تعرف أنني لم أمت، وأنني سأبقى حية حتى الأبد.

أبقى صامتا، أهز راسي محتارا.

تواصل قولها، ترسل نظرة غامضة إلي، افهم منها أنها عاتبة علي لأنني لم أزرها في قبرها منذ أودعناها إياه قبل أشهر.

 أتهرب من الإجابة، أعود إلى تلك الفترة المديدة التي قضيناها معا، لماذا هي تبدو الآن قصيرة وكأنما هي لم تكن أصلا أو مرت مثلما يمر وميض البرق، حين يلوح ثم يختفي وكأنما هم لم يكن.

أتذكرين يوم لففتني بالقماط يوم ولدت في الكشاف، يومها شعرتُ انك ربطتني، وتمنيت لو انك لم تفعل ما فعلته، يوم أتينا بمن لفتك في كفنك، شعرت بان الزمن توقف ولما يمض، وان الفارق بين قماط الميلاد وكفن النهاية ما هو إلا لحظات نشعر، في البداية، أنها مديدة غير أننا ما أن نصل إليها حتى نكتشف أنها الأقصر في الوجود.

اقترب منها في قبرها، أحاول أن أمد يدي إلى منديلها، إلى شعرها الأشيب، ترتد يدي، إنها رهبة الموت، هي تشبه رهبة لازمتني أثناء مكوثي معها في ساعاتها الأخيرة، في تلك الساعات كنت أتساءل عما يمكن أن يحدث، وكيف تحصل كل تلك التحولات في حياتنا نحن بني البشر!! كيف كانت أمي جميلة الجميلات، بل المرأة الأجمل بين من وقع نظري عليهن من نساء الأرض قاطبة، وكيف جاءتها الشيخوخة وطرقت بابها لتنهكها وتنال من روحها.

حين يتداعى هذا كله إلى ذاكرتي، تمتلئ عيناي بالدموع، إنها دموع لا تهمي فارتاح ولا تختفي فيزول ما رافقها من الم الفراق، كنت اعرف يا أمي أننا سوف نفترق في يوم من الأيام، إلا أنني لم اصدق ما عرفته، واعتقدت أنني استثناء من قاعدة الموت التي تأخذ بني البشر واحدا بعد الآخر، لم يخطر ببالي أن ما خشيت منه طوال حياتي معك والى جانبك، سيقع، لكن ها نفترق، وها أنت تبتعدين، ها أنت تثبتين في هذا القبر المستسلم لليل أن حياة لا تدوم.

اقترب من قبرها أكثر، كلما اقترب اشعر أنني ابتعد، أريد أن أبثها بعض ما لم يسعفني الوقت لان أبثها إياه في حياتها، مثلما حصل حتى لحظة الفراق الأخيرة، أريد أن أقول لها إنها هي وليست غيرها تاريخي وجذوري، وان الحياة بعيدة عنها صعبة، أريد أن اهتف بها لماذا هي فارقت.. رحلت وتركت وراءها كل تلك التركة من الذكريات والحنين.

اقترب من قبرها أكثر، أصبح قريبا منه ومنها، من منديلها وشعرها الأشيب، تقرا في عيني رهبة الموت، ترسل نظرة مطمئنة نحوي، لا تخف أنا أمك، أمك كنت وما زلت وسابقي.

 تتحرك في قبرها، يرتفع نصفها الأعلى أكثر، يظهر نصفها الأسفل، أراها مثلما كنت أراها في أوضاع مشابهة، أراها وقد شكـّلت طرفَ ثوبـِها وشبكت بعضه ببعضه الآخر، بحيث يمكنها من وضع ما تجمعه من بقول بلادنا في ” حرجها”، أراها تركض وتركض، وكأنما هي تريد أن تواصل جمعها للبقول، وان تقول إنها لم تمت وإنما هي كانت نائمة، تركض في سفح الجبل، تواصل ركضها، أقف مشدوها، إنها تتحول إلى العشرات والمئات والملايين من النساء اللواتي يركضن في الاتجاه ذاته.

اركض وراءها، أريد أن اعرفها من بين النساء الراكضات، أريد أن أقول لها ما لم يمكنني الزمن من قوله لها، لكن هيهات، فها هي أعداد النساء الراكضات وراءها يزداد، وهاأنذا يجن جنوني، فأتقدم من اقرب واحدة منهن، واسألها عما إذا كانت هي أمي، فترد علي بالإيجاب، وتواصل ركضها، ويجن جنوني أكثر فاسأل أخرى وأخرى عما إذا كانت هي أمي، فترد بالإيجاب أيضا، وتواصل ركضها تواصله تاركة ً وراءها قبر ًا وذكرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                    رجل فهمان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بالكاد دخل الضوء إلى غرفة الاجتماعات. المدير القادم من ديرستان، لا يحب الضوء. يفضل أن يجلس في أماكن معتمة نوعا ما. يقول عنه عارفوه انه يعرف في العتمة أن يفكر، ولا يحسن التفكير في الضوء. الظلام يوحي إليه بأفكار وأفكار. المقربون منه أشاعوا عنه انه يحب الجلوس في العتمة لاعتقاد ترسخ في لاوعيه، هو أن القمر لا يسطع إلا في العتمة. بما انه قمر، أفضل له أن يجلس في العتمة، حينها يسطع نوره وتتدفق عليه الأفكار الجديدة.

الصمت يخيم على الجميع كلهم ينتظرون أن يتحدث المدير. لا احد يريد أن يكون كبش الفداء لرعونته، وفي الوقت ذاته يريد أن يتخلص من الموظف المدعي، ابن كفرستان، غير المرغوب فيه بيننا.

يتواصل الصمت. يدق المدير على الطاولة أمامه بعقب بندقية ورثها أبوه عن جندي ألماني، حارب إلى جانبه بالصدفة، في الحرب العالمية الأولى، فتمسك بها على أنها ذخر لا يفرط به من عزيز راحل. أهاب المدير بنا، تحدثوا، لماذا لا تتحدثون؟ مالي أراكم صامتين وكأنما على رؤوسكم الطير؟ البلد ضاعت بالصمت.كل شيء تدمر بالصمت. تحدثوا، لا أريد صمتا أكثر.

يتواصل الصمت بيننا. نحن لا نريد أن نفوه بأية كلمة، لأننا نعرف معرفة اليقين أن أية زلة لسان يمكن أن تفسر ضدنا وان تنقلب الأمور كلها ضدنا، وبدلا من أن يقرر المدير الزائر في أمر فصل الموظف المدعي ابن كفر ستان، يقرر إبعاد من يزل لسانه عن العمل.

يدق المدير الزائر بعقب بندقيته المتوارثة. هذه الدقة الثانية له. الدقة الثالثة ستكون الأخيرة، بعدها لن يكون دق وسوف ينفض الاجتماع دون إصدار قرار.

لكن لا. لن ينفض الاجتماع بهذه السهولة. يسطع ضوء المدير على وجه الموظف المدعي. يبتسم هذا. يتراقص شارباه. لا تدق يا سيدي. لا تدق، لن يستجيب احد منهم. أنا اعرف من خبرتي مع العالم الخارجي، أنهم لن يتحدثوا. اعرف جيدا، فانا صاحب علاقات واسعة مع هذا العالم. اعرف جيدا. لا تدق.

يجن جنوني. اقترب من حيث يجلس المدير، أرى قطاعا من وجهه في الضوء، أتوجه إلى الموظف المدعي، اطلب منه أن يكون موضوعيا، أن يعرض فهمه للعمل الوظيفي، داخل المكتب والمجتمع عامة.

يلمع وجه الموظف وسط الظلام. ينسحب من الجلسة بهدوء. نبقى وحدنا مع المدير الزائر بانتظار أن يبت في الأمر وان يصدر أمرا يقضي بإبعاد الموظف المدعي عنا لنرتاح من شروره ومن ادعاءاته بالعلاقات المتينة مع الخارج فنحن نريده واحدا منا أو ليذهب إلى حيث لا نعلم.

يطول الانتظار. يتواصل صمتنا بانتظار أن يفوه المدير بجوهرة فصل الموظف المدعي. يدق المدير أخيرا بعقب بندقيته. يتوجه إلينا طالبا منا أن نسوي أمورنا مع زميلنا الموظف، فهو رجل علاقات عامة مع الخارج، الم تستمعوا إليه كيف قال انه يعرف من خبرته مع العالم الخارجي…؟ هذا رجل لا يفرط به بسهولة. سووا أموركم معه. سووا أموركم معه، فهو رجل فهمان، واعتقد انه كان يتوقع منكم أن تحضروا أوراق عمل للجلسة، لهذا فضل الانسحاب. كان أحرى بكم أن تحضروا أوراق عمل كما يفعل الأجانب، عندها كان سيبقى ويناقش.

يرسل المدير نظرة لائمة نحوي: أما أنت عليك أن تعتذر له.

صمت يخيم علينا. جبل من الذهول. تتوقف الكلمات في حلوقنا. نريد أن نهتف بالمدير، أن نطلب منه أن يريحنا من موظف يأخذ من العمل أكثر بكثير مما يعطي، في وقت يطلب منا فيه أن نسوي أمورنا معه.

يدق المدير بعقب بندقيته معلنا نهاية الجلسة. نفتح أفواهنا مذهولين.. ويسود صمت.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                  مـشـــــهـد

 

شريطا سينمائيا غريبا تشاهدين أيتها الفارة الصغيرة، حياتنا فيلم سينمائي مدهش، اعرف هذا. لست بحاجة لان تضيفي إليه، فهو حافل بالأحداث الجسام. منذ تقدم الفار الصغير، ابني لخطبتك، حتى أصبحت زوجة له، مرورا بكل ما رافق هذا من ضغوط علي لان أبارك زواجكما أنتما الفاران الصغيران، وإلا فان كارثة في طريقها إلي لتزيد الفيلم غرابة، وأنا أرى في عينيك مشاعر تضيف إلى فيلمي بعدا أخر لا يقل أهمية في تقدم أحداثه وتطورها.

هذه المشاعر تتسع كل يوم وتزداد، أنت أيضا لست قليلة، أنت لم تعرفي ماذا تفعلين إزاء ما رايته من مشاهد عجائبية، فدخلت في الفيلم وكأنما هو خلق لك وخلقت له، ساعدك الفار الصغير زوجك في أن تمضي فيه إلى ذروته المتوقعة.

غير أنني لم اكتشف هذا إلا متأخرا، ليس مائة في المائة، ما زال لدي بعض من أمل في أن كاتب السيناريو قد يغير من اتجاه الأحداث، فيوقظنا نحن جميعا ذات صلاح لنكتشف أن ما كان إنما هو كابوس وعبر وأننا أبناء زماننا الآخر، ذاك الزمان الذي حلمنا به.

ما زلت أتساءل أيمكن أن تفعل تلك الفارة الصغيرة، أنت، كل هذا؟ أيمكن أن تضيف إلى تشوش حياة فأرنا، فتنسج معه المؤامرة تلو الأخرى ليفعلا، هما الاثنان ما أرادا أن يفعلا بعيدا عن العيون، وكأنما هو مكتوب على الفارين، الذكر والأنثى، أن يهربا بقطعة الجبن ليأكلاها معا وبعيدا عن أعين الآخرين؟ لماذا فعلت هذا؟ لماذا أتيت إلي وتذرعت بذلك السبب، لتأخذي أهم ما في جيبي من نقود، اعرف أن مائة شاقل ليست بالمبلغ المحرز، إلا انه بالنسبة لزوجة عمك، زوجتي يعني، محرز ويستحق أن ترفع صوتها وان تعلم الحارة كلها بأنني مقصر ولا أقدم إليها ما تريده وتحتاج إليه من مال؟ دخولك إلي بتلك الابتسامة الغامضة، توجهك الخفر الحيي قولك أن ابنتك، فأرتك، فارتنا، تحتاج إلى دواء للمعافاة من نزل جعل سخونتها ترتفع، لم يمكنني من أن ارفض حتى النهاية، ووضعني في صراع شرس مع نفسي، لهذا ما أن تبلت ترددي وخرجت منطلقة في طريقك، حتى حملت نفسي وجريت وراءك، جريت وجريت وجريت، كان علي أن أدركك، لأقدم إليك ما طلبته، عندما وقف كل منا قبالة الآخر، عادت إلى نباهتي، أردت أن اضغط حتى النهاية، أخبرتك أنني سأذهب إلى جار لاستدين منه ما طلبته من نقود، لم اطلب منك أن ترافقيني، فهمت بحسك الفأري أن الفرج يقترب وانك قاب قوس أو أدنى من الحصول على ما تريدين، فتركتني انصرف، بعد كل خطوة كنت أطبعها على ارض الشارع، كنت أتمنى أن تنادي علي، أن تقولي لي انك ستتدبرين أمرك، وانه لا حاجة بي لان افتح يدي لأحد لغرض الاستدانة منه، إلا انك لم تأتي بأية حركة في هذا الاتجاه وبقيت ترسلين نظرتك نحوي غير عابئة إلا بأمر واحد هو أن تحصلي على ما  طلبته مني، أقول لك الحقيقة إنني كنت بين المصدق والمكذب، فانا من ناحية أريد أن أصدقك لان الأمر يتعلق بفارة لا أحب أن أرى سخونتها ترتفع، ومن أخرى اشعر أن طلبك ليس خالصا ولا لوجه الله جاء، زاد في شكوكي، أن فارك البري، زوجك، ابني العاطل الابدي عن العمل، كان يقف هناك عند ناصية الشارع بانتظارك.

مع هذا تابعت طريقي لاختبئ هناك وراء شجرة سحرية أخرجتها من أساطيري القديمة، لأفصل مائة شاقل، عن أخوات لها أعددتها لام زوجك، أنت تعرفين أنني اقصد هذه الكلمة، فهي فعلا أم زوجك، أما أنا فإنني زوجها بالاسم ليس إلا، ثم انك تعرفين أنني لا أصلح لأمر بالنسبة إليها إلا لدفع مبلغ شهري، هل أصبحت مثلها يا فأرتنا الجديدة؟ وهل أنا لا أناسب بالنسبة إليك والى فاريك، زوجك وابنتك، إلا لإعطائك مبلغا من المال؟ آه كم ستزيدين في غرابة فيلم حياتنا إذا كان الأمر كذلك.

أتناول ورقة من فئة المائة شاقل، انتزعها من بين شقيقاتها، لتفعل أم زوجك ما يحلو لها أنا لا يمكن أن ارتكب أية حماقة قد اندم عليها، لا يمكن لا يمكن لا يمكن، فأرتك الصغيرة هي امتدادي الأبعد غورا في هذه الأرض، وأنا لا يمكن أن اتركها ولو ادعاء، لا يمكن أن ادع أي خطر يدنو منها، حتى لو كان هذا وهما، أنت لا تعرفين ماذا يعني وجود فأرتك، بل وجودكم انتم قبيلة الفئران بالنسبة إلي، انه حياتي، تريدين أن تقولي إنني رومانسي ومجنون؟ لا اعرف كيف أرد على طرد زوجتي لي من بيتي وتشريدها لي، ولا اعرف كيف أتصرف؟ ليكن أنا اعترف أنني لا اعرف كيف أعيش بدون قبيلتي الفئرانية، طيب طيب ما علينا أنت فارة إشكالية أنا اعرف هذا.. اسأليني، ثم أنني لا أريد أن احكي لك قصة على الطالع والنازل، أنت طلبت مائة شاقل لشراء دواء لفأرتك، فأرتنا المشتركة، وأنا سأعطيك المبلغ عن طيب خاطر، بل سأزيده خمسين شاقلا أخرى، لن أفكر في صراخ زوجتي ولا في عربدتها، فهي ستصرخ حتى تنتابها حالة من الإرهاق والتعب، بعدها ستدخل إلى غرفة نومها لتدخل في فيلمنا الغريب، أنت ستكونين واحدة من المشاهدين المتابعين لهذا الفيلم.

أتعمد الغياب مدة كافية من الزمن لان اذهب إلى احد الجيران ولان اطلب منه المائة والخمسين شاقلا، بعدها اندفع من وراء الشجرة العجائبية، أطير إليك، أقدم ما طلبته مني على طبق من حبور، تتناولين ما أقدمه لك، ترسلين نظرة لا تخلو من شك في كل ما فعلته، ابتداء من طلبك انتهاء بالاستجابة السخية له، اعرف أن هذا لا يهمك، تنصرفين بسرعة، يقترب فأراك منك، تنطلقان باتجاه محطة الباص المسافر إلى البلدة البحرية المجاورة.

مشاعر غير مريحة تجتاحني، أعود من حيث أتيت، الطريق الآن ممتد طويل، بقدر ما كان قصيرا عندما شرعت في الجري وراءك، بات طويلا، أنتم الآن، القبيلة الفأرية الوريثة، ستذهبون إلى البحر، ستتمتعون هناك، أما أنا فأنني سأواجه قدري وحيدا، سأواجهه مثلما يفعل الأبطال في الأفلام الاسطورية، سيكون قلبي اقوي من الحديد، وسوف يشجع هذا زوجتي على أن تتعامل معه بشدة باتت مألوفة، ستهوي عليه بكل ما لديها من قوة، غير عابئة بأنه من لحم ودم وضعف، وانه يشبه قلبها إلى حد المطابقة.

أرسل أنظاري إليكم، أنت وزوجتك وابنتكما، تصعدان درجات حافلة الباص، أراكم تحاولون الاختفاء، كما يقتضي دوركم في الفيلم، انتم لا تريدون أن أراكم، لا تريدون أن أتابع مشاهدتي لدوركم في فيلم حياتنا الغريب،

فكل منا يقدم دوره منفردا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفريدي الأطرشي!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يطل علينا بوجهه الفريدي، من نافذة بيته في دور أول من عمارة ذات أدوار متعددة، نتمكن، أنا وصديقي، هل يوجد معي صديق؟ نتمكن من رؤية آلة العود بيده، انه هو هو. لم يتغير. يقول لي مرافقي، ما زال على ما هو عليه منذ ثلاثين عاما، انه محب مدنف لفريد الأطرش. ابتسم. لا أفوه بأية كلمة. نواصل باتجاه مدخل بيته تحت مستوى الشارع. ما أن نصل حتى ينطلق صوته مرحبا بنغمة أطرشية: أهلا أهلا بكم.

ندخل يتخذ كل منا مجلسه، الغرفة ضيقة، يكاد ضيقها يكتم على أنفاسنا، مثلما كتمت الدنيا على أنفاس مضيفنا، فتدحرج من عال إلى سافل، ليجد نفسه ملقى في ذاك الحي اليهودي المهمل، لا يوجد إلى جانبه سوى آلة عود قديمة تقطعت أوتارها، ولم يبق منها سوى وتر أو وترين!!

ننظر في أجواء الغرفة، رفوف متدلية، تكاد تسقط من مواقعها لولا كتبٍ وقتها من السقوط، كنبات تمزقت أطرافها، دون أن تجد الروح الحانية لمد يد الإصلاح إليها، ومحاولة إعادتها إلى وضع كانت عليه، في الماضي البعيد القصي.

مضيفنا يتجاهل نظراتنا الراثية لحاله، يرسل ابتسامة عركتها الهزائم فتصالحت معها، ثم رافقتها، والفت الحياة معها والى جانبها.

يفتح الشباك الوحيد في الغرفة. يرسل ابتسامة اطرشية، العرب لا يرحمون. الحياة بين اليهود أسهل، هنا لا احد يتدخل في شؤونك الشخصية. بالأمس تناولت آلة العود، عزفت عليها، أنغاما عربية وأخرى روسية وسواها أثيوبية، آه لو رأيتما تلكم الجارة الروسية والأخرى الإثيوبية، كيف جاءتا، كل على انفراد، لتمتدحا حسن عزفي، ولتقولا لي، إنهما مسرورتان لعدم تمييزي بين إنسان وإنسان، وإنني أتقن عزف الموسيقى، لغة الروح، لغة كل البشر.

نشعر بحركة في الخارج تخترق الصمت المخيم على الغرفة، نرسل، جميعنا، أنظارنا إلى حيث دبت الحركة، نرى هناك امرأة شقراء، نفهم إنها هي جارته الروسية، تليها امرأة سوداء، قد تكون الإثيوبية، يبتسم يتجاهل مرورهما، يرسل نظرة نارية إليهما بحيث يراهما ولا ترياه مهما حاولتا، يهرب بنظرته إلى البعيد البعيد، إلى مجاهل، غابات بحار وانهار لا يعرفها احد سواه، يتناول آلة العود إلى جانبه، يعزف. يغني بصوته المتحشرج من تواطؤ السنين عليه، آدي الربيع عاد من تاني، اهتف لنفسي أتمتم الربيع لن يعود.

 تلتفت المرأتان إلى حيث هو.

 تتوقفان عن المسير، يتجاهل توقفهما، انه يدرك بحاسته المتعبة كيف يمكن أن يلفت نظر امرأتين، يرسل ابتسامة سريعة، يتعمد أن ترياها، يسرق الكلمات يقول، إنهما مطلقتان، ينبعث من عينيه بريق غريب ويواصل العزف. 

يتوجه إلينا، أنا ومرافقي، يقول إن فريد الأطرش هو من أوصل الأغنية العربية إلى ما وصلت إليه من رفعة وتقدم، فقد سبق محمد عبد الوهاب في إدخال التانغو إلى الأغنية العربية، يحتضن بقايا آلة العود بحنو لا حدود له، يتمتم: نحن العرب لا نقدر الفن حق قدره.

يلاحظ أنني لاه عنه، يتوجه بكليته إلى مرافقي، مع هذا فقد ظلم العرب هذا الفنان البارع، هذا ليس غريبا على العرب فقد ظلمونا نحن أبناءهم أيضا، وهل يوجد هناك من أذاقه العرب المر مثلنا؟ يقول له مرافقي، فعلا نحن أكلناها قياما وقعودا. فريد أيضا أكلها، انه فنان بارع، لو كان مصريا لاهتموا به أكثر، على كل حال ما دام يوجد هناك من يحترمه ويقدر فنه أمثالنا، فانه سيبقى ما يقينا وبقيت الأغنية.

ابتسامة مفاجئة تفترش وجه مضيفنا، تنتابه حالة من الحماس المباغت. ينطلق عازفا على العود، يبذل مجهودا جبارا في أداء أدي الربيع عاد من تأني، تختفي المرأة، أتوقف عن الاستماع. أتوه في مجاهل العازف المخلع امامي.

أرى المرأتين في عينيه تنقطان شهوة.

يحاول أن ينتقل لعزف مقطوعة روسية، يهتف به مرافقي، طالبا منه العودة إلى فريد الأطرش، يتردد.. يعود بسرعة، يعزف ويغني، يتوجه إلى مرافقي، يتجاهل وجودي، لقد ظـُلم فريد.. بالضبط مثلما ظلمنا نحن أبناء هذا الجيل المتعوس. نحن ينبغي أن نفعل شيئا من اجل تخليد ذكره. فريد عاش إنسانا عاديا مثله في ذلك مثل حالاتنا. كان فنانا متواضعا وشعبيا، لم يتكبر على احد ورحل عن عالمنا مخلفا وراءه الكثير من الديون.. مسكين.. مسكين مثلنا بالضبط ومن للمسكين مثل المسكين؟.

 يتحمس مرافقي فعلا نحن ينبغي أن نفعل شيئا. فريد مثلنا انه فنان ليس عاديا ومع هذا يتم التعامل معه وكأنما هو عادي أو اقل.. نحن يجب أن نفعل شيئا ليس من اجل فريد وإنما من اجل الحقيقة. الحقيقة ينبغي أن تكون وان تفرض نفسها مهما حاول آخرون حجبها وقذفها إلى ما وراء الضباب.

أواصل الصمت، أنا منذهل لما يدور من حديث، اطلع خارج اللعبة، أتحول إلى متفرج ٍ تابع الأحداث منذ ثلاثين عاما، فخبرها جيدا وكان شاهدا على ما ذاقه ذاك الاطرشي من مر الحياة وحنظلها.

 استمع إليهما، هما الاثنان يتفقان على أن ينظما سلسلة من العروض والندوات مساهمة في تخليد فنان وفن حقيقيين، أغيب عن الوعي وأعود لاستمع إليهما يتفقان على أن يقيما ما يريدان إقامته في أحياء يهودية، اليهود يقدرون الفن ومن المؤكد أنهم سيتجاوبون معنا، خاصة أولئك الأجانب منهم الروس والاحباش من أبناء إثيوبيا، أرى في عيني مضيفنا الاطرشي، صورة تلكما المطلقتين الروسية والإثيوبية، إنهما تذوبان شهوة لرجل شرقي مثله، أواصل صمتي. أنا اعرف أن شيئا لن يحصل وأننا أمام وجبة من الكلام، ستبقى داخل الغرفة الصغيرة ولن تخرج منها بالضبط مثلما حصل في الماضيين البعيد والقريب.

يطبق الصمت على بأضراسه، اشعر بنوع من الاختناق، أفكر في الهروب. لكن الرفوف الكتب الواقية، آلة العود مقطعة الأوتار، تجذبني تشدني لان أبقى، ولا أغادر، أحاول أن احمل نفسي وان اخرج اهرب لأبحث عن  فريد الاطرش، فقد أجده تائها في مكان ما من الحي اليهودي. أتجمد مكاني. لا أتمكن من الخروج. يتحول فما مضيفنا ومرافقي إلى ماكينتين تقذفان الكلام.

أتصور نفسي خارج البيت، انظر إلى جانبي، أين مرافقي؟ أين الاطرشي؟ أأنا أتيت وحيدا إلى هنا؟ أم كان برفقتي صديق آخر؟

الشارع أمامي يمتدا طويلا، في البداية امشي ببطء، بعد ذلك أسرع، ثم أركض، فقد أدرك ذاك الاطرشي الضائع منذ ثلاثين عاما.

 

 

 

 

                                        شهم ووحيد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الناصرة الشارع المحطة، كأنما الحركة دبت في كل مكان الآن للتو، قبل تلك اللحظة لم تكن لحظة، فجأة ابتدأ كل ما المكان يتحرك.

الحركة تدب في الاتجاهات كلها، ينظر مبتسما ما أحلى أن تدب الحركة في الأشياء، ما أحلى أن تلمس نبض الشارع بعينيك، أن تحنو عليه وان يحنو عليك.

أمر ما سيحصل، تلك الاستفاقة لا يمكن أن تأتي هكذا دون شور ولا دستور، مؤكد أنها أتت في وقتها لتوحي له أن أمرا ما غير عادي سيحصل، ولماذا يكذب على نفسه؟ هو أدرك منذ لحظات أن أمرا غير عادي سيحصل، منذ وقعت عينه عليها وهو في حيرة من أمره، ترى أتكون هي من دبت الحركة في المكان؟ هي؟ نعم هي، لكنها ليست هي، بلى أيها المعتوه الأبدي إنها هي المرأة عادة تتغير من سنة إلى أخرى، فكيف إذا كان الحديث يدور عن عشرة أعوام وربما أكثر؟ هي كانت تأتي إليك في مكتبك، في الصحيفة، في المرة الأولى أتت لتسال عن زميل لك تنقصه الشهامة والطايح لديه رايح، لم يكن.. في المكتب، دعوتها للجلوس فقد يأتي، فاستجابت، الحديث تدحرج بينك وبينها مثل طابة بنج بونج، لم تمض حينها لحظات حتى شعرت انك دخلت إلى جنتها. عرفت هذا منها هي لم تعد تذكر ذاك، ربما كانت تعرفه بالضبط مثلما عرفته أنت، من قال إن الناس لا يعرفون، هم كثيرا ما يعرفون إلا أنهم يسيرون في طريق العذاب لعلمهم انه لا توجد سواها. المسير هو قدر هؤلاء، هم يعرفون أنهم يسيرون إلى حتفهم ومع هذا يتابعون.

تدنو من المحطة. ما زال هناك متسع في المساحة، ستتأكد من أنها هي وليست سواها، طيب ما الذي يثبت لك أنها هي؟ ألا يمكن أن تكون شبيهة لها؟ سنوات طوال مرت بين لقاء تلته لقاءات بينكما، قدمت لها إثباتا لا يقطعه شك على انك الشخص الأكثر شهامة في العالم. وها هي الآن بعد سنوات موغلة في الغي، تظهر لك. ألا يمكن أن تكون الأمور بدت على غير ما هي؟ وأن عامل الزمن اخذ مأخذا حقيقيا فأدخلك في خداع بصري يتصف به الكهول أمثالك؟ لست عجوزا، آخرون يقولون انك كبرت أنت لا تشعر بأنك زدت إصبعا عما كنت عليه، منذ رعيت معها والى جانبها غنم الأهل معا.

هي. ليست هي. الاحتمالان يتوازيان من حيث يتقاطعان. أصعب المواقف أن تتساوى الاحتمالات فتجد نفسك في المنطقة الوسطى، لا أنت تعرف ما إذا كانت هي، ولا أنت تقطع سيف الشك بحلم القين، لتمر قريبا منها لتتلكأ، إذا ردت بحركة فيها استجابة تكون هي.

امض خطوة أخرى، امض لا تهب. أنت حلمت بتغيير العالم لا تستطيع أن تغير جبنك؟ امض يا رجل .. امض قدما، الم تـُعلـّم الناس في كتاباتك انه لا يفوز باللذة إلا الجسور، أقدم أخا العرب أقدم، كن رجلا مقداما شجاعا، تقدم منها.

تحمله قدماه حملا، يدنو منها، فكرة جهنمية تخطر له، لماذا لا يحاول تنفيذها؟ لا يتردد يبادر من فوره، يواصل دنوه، سيذهب إليها مباشرة، سيصطنع محاولة فريدة في نوعها، سيوهمها انه يدنو منها على اعتبار انه عرفها، إذا كانت هي، وإذا عرفته خلافا لما أصابه، ستستقبله استقبال من عرف من قـُبالته، عندها تبدأ لحظة أخرى تصل الماضي بيمن الحاضر.

يتقدم .. يتقدم .. يراها ترسل ابتسامة من أدرك أن لعبة تجري أمامه، في اللحظة الأخيرة يتجنبها ويتابع، يعبر عنها، إلا انه ما أن يعبر خطوات تمكنه من الاستدارة، حتى يستدير، هو يتعمد أن تراه، بل انه يريد أن تراه اللعبة الآن باتت مكشوفة، ولا بد لها من أن تكتمل.

ترى أتكون هي؟

إذا لم تكن هي، لماذا ترسل نظرة إلى خاتم الزواج بيدها؟ تراها تريد أنت تقول له أن مياها غزيرة جرت في نهر حياتها وأنها الآن باتت امرأة أخرى غير تلك التي جاءت إليه أيام عمله في الصحيفة؟ إذا كان الأمر كذلك، سيسعده أن يتحدث إليها، ليس مهما لماذا، المهم أن يتحدث إليها، أن يستعيد الماضي وأيامه الخاليات، الم يقدم إليها صورة لرجل شهم، كله شهامة؟ أو ليس هو كذلك؟

يتعمد أن يرسل نظرة إليها، غير أنها تتجاهلها، أتكون هي تعاني من مثل ما عانى حينما رآها قبل قليل؟ ربما. ألا يمكن أن يكون كل منهما يعاني من المعاناة ذاتها، هو غير متأكد وهي غير متأكدة؟ ألا يمكن أن يكونا التقيا في نقطة شكلت هي ذاتها نوعا من التقاطع، ليضحي كل منهما غريبا يبحث عن غريب يتوقع انه وليف من أيام الصبا والشباب؟

يخرج من نفسه، ينظر إلى المشهد، هو مشهد غريب لا يخلو من طرافة، هناك بعد المحطة، رجل كهل، يرسل نظرة إلى امرأة تصغره بسنوات تقف في المحطة، لا هو يتقدم ولا هي تفعل، هي المرأة الأقرب والأبعد في الآن.

يعود إلى نفسه، لا بد له من يفعل شيئا، إذا عبرت هذه اللحظة، قد لا تتكرر مرة أخرى، ليكون جريئا مرة واحدة في العمر، ليقدم مرة واحدة، لقد قضى عمره تائها في داخل ذاته، وها هي لحظة فريدة، لان يرى هذه الذات تفد إليه مثل ربيع في تفتحه، ومع هذا لا يفعل شيئا، لكن لا لا .. هو سيفعل شيئا، سيثبت لنفسه مرة والى الأبد انه شهم ومقدام جريء، ليضع يده على جبينه؟ ليوحي إليها بأنه يعاني الآن من انه لا يتذكر مع أن كل ما يحيط به يدفعه للتذكر، ليمثل دور رجل نسي، ألا ينسى الناس؟ يضع يده على جبينه يتعمد أن تراه، يراها تنظر إلى ساعتها اليدوية، تبتسم،.. الباص يقترب من المحطة، تصعد درجاته، يبقى وحيدا بالضبط مثلما كان دائما..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الطائر السوري

 

 

 

 

 

نعم نعم، أي نعم، هو يشبهه يشبه الطائر الجميل في حلقة الليلة الماضية من المسلسل السوري، اعتقد انه طير الوروار، تذكرونه غنت له فيروزنا، صاحبة عا الروزنه، آخ لو تعرف فيروز ما فعلته بنا روزناها، الوروار يتقافز من غصن إلى غصن، متنقلا من دوح إلى آخر، وأنا في ساحة المدينة، أريد أن أراها، أن أغمض عيني كي أراها، قلبي طائر وروار.

إلى أين ذهبت تركت كاتبتك ِ الكهل يلوك أحلامه، مثلما فعل كاتبه الكهل السورى ليلة أمس، في الحلقة الأخيرة من المسلسل.

 الطائر على الشجرة  يكاد يكون الطائر ذاته في ذاك المسلسل، الكاتب هو، الكاتب المهجر، من قريته سيرين، ابن الناصرة حاليا هو الكاتب ذاته، لكن هل أنت المحبوبة ذاتها؟

يرفع رأسه، لا شغلة له ولا عملة إلان سوى الانتظار، استدعته من مسلسله السوري، أيقظت فيه جميع محبي العرب من الكتاب والشعراء، اتصلت به قبل قليل، قالت له إنها ستكون هناك قريبة من الساحة، في وسط المدينة، إلا أنها لم تأت. لو اتصلت فيما بعد اعطائها لموعدها التاريخي هذا، لو قالت له إنها لن تأتي لما خرج من مسلسله، لبقي هناك، مع حلم يلامس حوافه، لما جاء إلى هذا الواقع المر.

 جحيم الواقع على أية حال أفضل من جنة الشك، يقول لذاته ويواصل الانتظار.

منذ فترة وقع نظره عليها، أرسلت إليه نظرة أعادته طفلا صغيرا، يبحث عن أغانيه القديمة.

أدرك أن نظرتها إليه لن تكون عابرة، هو دائما سار على هدى من قلبه،.. حينما سار على هذي عقله كان يربح دائما إلا انه كان يشعر بالخسارة، هذه المرة إزاء نظرتها المتفجرة، المخترقة لجداران لا يمكن لا للصواريخ ولا للدبابات أن تخترقها، رفع راية الأمان، وقال لها، دون أن يقول، إن المستقبل سيكون زاهرا. لم يتحدث إليها، لف ابتسامتها بهالة من روحه، ومضى مثلما فعل حينما عثر على كتاب أحبه. كان يعرف أنها لن تكون واحدة من المحطات المحلية، وأنها ستخرج من الدائرة المحدودة دائرة المدينة، البلدة الصغيرة مقارنة بالمدن هه..، إلى الدائرة التي حلم بها دائما دائرة العرب الواسعة، أما لماذا الدائرة السورية فانه يحتفظ بسرها المقدس لنفسه. الاتصال كان سريعا، قالت له بسرعة سأكون هناك في الساحة، إذا أردت أن تراني سأكون هناك في مركز المدينة، إذا تمكنت.. سأكون أنا من تسعى إليك، إياك أن تسعى أنت. هه، والله اشي بيضحك، هي بالضبط تروي رواية المسلسل، أتكون حضرت المسلسل ذاته، وحلمت باللقاء مثلما حلم هو، عيني يا عيني إذا كان الأمر على ما اعتقد. تريد؟ إلا انه في النهاية وفد إلى المكان المحدد لشم رائحتها، كاتب مثله لا يمكن أن يفوت فرصة عمره، لمجرد انه لم يكن واثقا تمام الوثوق. زاد في إقناعه لذاته، انه همس لنفسه بكلام عن شرف المحاولة، شرف المحاولة والله نكتة، صار نكتة. طوال أيامه ولياليه وهو يسعى وراء شرف المحاولة، طيب يا سيدي، لتضف مرة أخرى إلى مرات سابقة وشو علينا غير هدومنا؟ محنا هناك في البيت مع المسلسل السوري، وهنا قد نكون مع المرأة المنشودة.

يختفي الطائر فجأة يختفي طائر  الوروار، ما أن يبحث عنه بعينيه المدققتين، حتى يجده هناك في المساحة المقابلة، على الشجرة المقابلة، كان يتقافز في حالة من الفرح غريبة، ترى أيكون عثر على وليفته، انظر جيدا، الكتابة سلبتك بعضا من حدة نظرك، لكن بإمكانك أن تمشط الشجرة، تلك طريقة اتبعتها منذ ابتدأ نظرك في التراجع إلى ظلامه ما قبل الأول، الطريقة كانت ناجحة دائما، بدلا من أن تستجدي، أن ترى متخبطا في تشوشك، أفضل لك أن تركز، في هذه الحالة تعثر على ما تري، أما أن تلحق بتشوشك، فان هذا قد يعني أمرا واحدا هو المزيد من التشوش.

 هناك تحت غصن خفي بين أوراق الشجرة كانت تختفي وليفة طائره، والله انه عرف منذ البداية، قلبه لم يكذبه ولم يرده مرة واحدة يجرجر أذيال الخيبة.

يفتح فمه يريد أن يرسل أية إشارة إلي طائر الوروار المفتون، يريد أن يخبره بان وليفته تعابثه لأمر في نفسها، وانه بإمكانه لو قفز يمينا فشمالا أن يراها وان يشرع في تحقيق حلم وجوده، غير انه ما لبث أن أغلق فمه، لا تكن متسرعا يا زلمة، في التسرع الندامة، قد يطير الطائر ويغادر وقد تلحق به وليفته، ليتركك الاثنان وحيدا، على الأقل هنا بالقرب منهما، يبقى باب الأمل مشرعا على أوراقه الشجرية.

ما أن توصل إلى هذا الحد من التفكير، حتى أطلت بطلعتها الساحرة، لم ير عينيها للحقيقة، كانت تسعى باتجاهه، لا بد له من أن بتشاغل عنها ببعض من أمره، الم تقل له إياك وان تأتي بأية حركة، أنا من ستسعى إليك إذا ما كان الظرف مناسبا؟ بلى قالت له، لتلتزم إذن بما قالته لك، الصبر هو مفتاح العشق الذهبي، هو المفتاح الذي لم تحتفظ به فترة طويلة، مثلما فعلت بمفتاح التسرع، أغلق فمك أيها العاشق، أغلقه، اعمل حالك لا من شاف ولا من دري، وسيكون لك ما أردت.

يسترق النظر إلى الشجرة المقابلة في الناحية المقابلة على الشجرة هناك، ما زال الوضع على ما هو عليه، التجارب علمته أن ما يتقدم يمكن أن يواصل تقدمه، وان الخوف هو في الجمود، أو النكوص إلى الخلف، ما دام الأمر يتقدم فان الأمل يبقى، ما دامت هي تتقدم نحوه، فان الأمل يزهر وسوف يواصل.

يضع رأسه بين يديه، يرسل نظره في كل الاتجاهات، إلا في اتجاهها، في الاتجاه القادمة منه، إذا أردت أن تغري طائرا بالوقوف احرص على ألا تنفره، دعه يفعل ما يريد حتى يأنس إليك بعدها داعبه وقل له أهلا وسهلا، رحب به بجرأة فهو لن يلتفت إلى حماسك المبالغ فيه، لن ينتقدك ولن يأخذ عليك أيا من مأخذه، حينها سيقترب لسبب قد ينفره لو انك تسرعت.

تقترب منه، ترى أتكون هي؟ من المؤكد أنها هي، لكن ماذا يضمن لك؟ جلوسها إلى جانبك، سيؤكد لك، نعم جلوسها إلى جانبك، يمد يده إلى المقعد لصقه، يسويه بيده، يتصورها تجلس إلى جانبه، مثلما فعلت المرأة في المسلسل السوري في خلقته الأخيرة، يتوجه إليها بعيني خياله مبتسما، الابتسامة ابلغ في التعبير عن المشاعر خاصة في اللقاء الأول مع امرأة تريدها أن تكون محطة جدية في عمرك، يواصل إرساله ابتسامته، يتحول إلى بطل المسلسل، ولم لا هما الاثنان كاتبان وهما الاثنان على موعد، وهما الاثنان أولا وقبل كل شيء حالمان من الدرجة الأولى.

تقترب منه .. تدنو، ما أن يحف طرف ثوبها بمقعده، حتى تعبر مولية بعيدا عنه، يسترق النظرات إليها، هو لا يمكن أن يفقد الأمل بهذه السرعة، عليه أن ينتظر وهل بإمكانه إلا أن يفعل؟ ربما كانت امرأة أخرى، يؤكد هذا أنها تختفي عن ناظره، تختفي في فضاء الشارع.

يرسل نظرة إلى ساعة المدينة، لقد مضى على الوقت المحدد أكثر من ساعة، يتمتم لذاته الغايب عذره معه، لكن هل ستأتي؟ إذا أرادت أن تأتي، فإنها ستأتي، أما الآن فإنني سأرسل النظر نحو الطائر، فإذا ما كان التقى وليفته، فإنني سأعتبر هذا فالا حسنا، أما…

يرسل نظره إلى الشجرة لا يرى إلا الخواء، ونسمة خفيفة تكاد تبقي كل ما هناك ساكنا في مكانه، ما اسمع؟ حفيف جناح طائر، حفيف ثوب من وعدتني؟ نعم إنني اسمع،، ينظر إلى ساعته، ما زال في الوقت متسع حتى موعد بث الحلقة الجديدة من مسلسله السوري، أما الآن بإمكانه أن ينتظر.

 

الخـَشـّة ُ

 

 

 

 

 

 

 

ابتدأت القصة ضحك بلعب.  سالتني ابنتي رماح ونحن نقترب من عيادة الطبيب:

-         هل أنت واثق من أنني سأطول؟

-         بالطبع ستطولين، أنت ما زلت في الرابعة عشرة. أنا واثق من انك سوف تطولين، قرأت عن هذا في كتاب طبي، الإنسان يطول طوال أيام حياته لكن بتباطؤ يقل تدريجيا حتى يتوقف أو يكاد في مرحلة متقدمة من العمر. ثم انك لست قصيرة إلى حد مقلق.

-         أبي لا تقل هذا. أنت تهتم بالكتب. لست طبيبا على أية حال. كم أحب أن أطول ولو بضع سنتمترات، يقولون إنني جميلة لولا أنني قصيرة قليلا.

أرسل نظرة أب محب طالما أرسلتها إليها، أقول في سرى: كم أنت جميلة يا رماح. أغمض عيني أراها وهي تقف قبالة مرآة والدتها في غرفة النوم، كان هذا قبل أيام، كانت تمشط شعرها، ما أن فتحت عيني حتى رايتها تمشط شعرها الأسود المسترسل، كم أنت جميلة يا ابنتي، الحمد لله أنك ولدت لنا، لتضحي قمرا مقيما في بيتنا. أتصورها ترشح نفسها ملكة للجمال فيدق قلبي بسرعة غير معتادة.

اسرح في أفكاري تلك، تجلس هي إلى جانبي على مقعد الانتظار، لا يخرجني من تجوالي في عالمي الرحب الجميل سوى انفتاح باب الطبيب. رماح؟ رماح هنا؟ نرد، أنا وهي بصوت واحد: نعم رماح هنا.

يدعونا الطبيب للدخول، نعم يا رماح، تريدين أن تطولي؟ سيكون لك هذا. لا تقلقي. هناك أكثر من طريقة لتطولي. لا تقلقي. أرى على وجهك الجميل قلقا. لا تقلقي لديك والد كاتب مشهور وتقلقين؟ لا تقلقي. الآن سأجري لك بعضا من الفحوص اللازمة، سأصور يدك، كي نفحص ونقارن بعد فترة. هناك فحوص روتينية سنجريها كي نوفر لك الإمكانية لأن تطولي كما تشائين.

يطلب الطبيب منها أن تسترخي على سرير الفحص الطبي، تسترخي هناك. يشرع في إجراء الفحوص لها. بتوقف. يواصل. ثم يعود للفحص، يهز رأسه.

يتوجه إلي وهو يحمل بيده سماعته الطبية. هل سبق وقمتم بفحص لها؟ أبقى صامتا لا أرد أريد أن اعرف سبب السؤال، يوجد خشة في قلبها. هل سبق وعلمت بها؟

خشة؟ في قلبها؟ أتوه في عالم من الصمت. لا أفوه بأية كلمة. أخشى أن يقول لي كلاما مرا لا أتحمله فاسقط من فوري. اشعر بقلبي يغادر موقعه. يخرج يبتعد بضع سنتمترات عن صدري. احضن قلبي بيدي، حتى لا يسقط على ارض لا ترحم. أغمض عيني. أغلق عالمي على ما حل به من خراب. لا أريد أن اسمع أكثر. لا أريد أريد لا أريد. لن أسالك أيها الطبيب المدواي المزيد. ما دام الأمر وصل إلى القلب لماذا أسالك المزيد. أرسل نظرة آسية إلى رماح أما كان بإمكانك أن تقبلي البقاء قصيرة وتسليم أمرك لطبيعتها، أما كان بإمكانك يا روحي أن تقومي بكل ما قمت به؟ آه لو لم أوافق واصطحبك إلى الطبيب آه.

احمل قلبي بين يدي. امشي وتمشي في الأرض، تمشي رماح إلى جانبي، كأنما لم يحدث شيء، وكأنما الطبيب لم يفجر قنبلة ذرية في وجهى، أوصل رماح إلى البيت. واخذ في الجري، اجري واجري واجري، اردد بصوت يكاد يختنق، اجري اجري اجري، وديني قوام وصلني، دا حبيب الروح مستني. نعم يا عبد الوهاب دا حبيب الروح مستني.

اركض في الشوارع، لا استوعب ما حصل. لا أريد أن استوعبه. خشة في قلبها يا دكتور؟ لم تأت الخشة إلا في قلبها؟ خلص انتهت رماح؟ انتهى الحلم الجميل؟ وصلنا إلى البدر في اكتماله ليفارقنا؟ خلص انتهت الرحلة بهذه السرعة؟ وغدا لن ترسل رماح شعرها قبالة مرآة والدتها ولن تكون بيننا؟ يمكن أن يحصل هذا؟ بهذه السرعة؟ بهذه السهولة يحصل الكدر؟ أما كان أفضل لي لو لم أرافقها إليك؟

افتح عيني لا أرى سوى العتم. اركض في الشارع وقلبي بين يدي لا يريد أن يعود إلى موقعه، لا أرى سوى الصحراء والقحل حولي. هاأنذا أصل النهاية.

ماذا بإمكاني أن افعل أنا المهجر المعذب؟ ماذا بإمكاني أن افعل سوى الركض، فلعلي أصل إلى حل؟ تطل الحيرة من عيني. يراها الأحباء. يتساءلون ويمضون. وماذا يفيد لو أنني أعدت أمامكم ما قاله الطبيب، هل سيتغير شيء؟ ستشفقون على؟ لا أريد الشفقة، إذا كان بإمكانكم أن تزيلوا الخشة من قلب رماح، سأتحدث أما إذا كنتم عاجزين مثلي، فلماذا افتح دفتر قلبي وأبوح بسر حزني؟

أعود في ساعة متأخرة من الليل، أرسل نظرة إلى وجهها وهي نائمة في غرفتها، آه يا ملاكي ماذا حل بك وبي، غدا أو بعد غد قد ابحث عنك فلا أجدك لأنك غادرت إلى عالمك الآخر عالم الظلام، ماذا ترى بإمكاني أن افعل وهل أنا اشطر من شاعرنا المتنبي؟ المتنبي حين وقف عاجزا أمام حالة مشابهة، فخاطب جدته قائلا: هبيني أخذت الثار فيك من العدا فكيف بأخذ الثار فيك من الحمى؟ قاتل الله الحمى، وقاتل الله الخشة حين تغزو قلب من نحب وتهوى قلوبنا.

اصعد في الليل إلى تل الصرخات، لعل أحدا يستمع إلى نداي، اصرخ يرد الصدى. ويل لهم قالوا لي إقرع يفتح لك هذا أنا احمل قلبي واقرع، إلى متى سيطول هذا العذاب؟ أما آن لي أن ارتاح؟ أما آن لي أن أفيق لأجد أن ما كان لم يكن سوى وهم، كابوس مزعج مضى ومر، كما يمر الظلام على البسيطة؟ أما آن؟

يمر الليل الأول وأنا اصرخ، اعرف أن هناك من سيستمع إلى صراخي، والله أنني اعرف لكن إلى متى سأنتظر؟ وما هو المطلوب مني؟ ما هو المطلوب مني لأخرج بأقل ما يمكنني من خسارة، كما فعلت دائما؟ أنا الرجل المهجر، اعرف حين اشعر بالخسارة أنني يجب أن ادفع نصيبي فيها. قد يكون هذا النصيب من المعرفة موروثا. أبي حينما أدرك أن الخسارة طرقت أبوابه، وان اليهود جاؤوا بدباباتهم وطائراتهم ليستعيدوا ارض الميعاد من سكانها الأوباش العرب، سلم أمره، ومضى يضرب في ارض الله الضيقة، هاربا من اليهود. لم أكن حينها ولدت، لهذا لم أره، أما اليوم وقد أضحيت كاتبا وذا خيال خصب كما يقول معظم المحبين وهم ليسوا قلة، فانه بإمكاني أن أتصور أبي وهو يمسك بيد أخي الأكبر ويستحثه قائلا هيا يا ولدي لننجو بجلدنا، البلدة ذهبت على الأقل نبقى نحن حتى لا يضيع الحلم ويتلاشى في عتمه. لا لن اخسر المعركة يا أبي. سأبذل مثلما بذلت سأحمل رماح بأسناني، سأطير بها إلى عوالم لا مرض فيها ولا احتمالات موت، لن ادع الموت يأخذها مني كما اخذوا منك بلدتك، سأطير بها. لكن أين ستطير يا ولدي؟ السماء ضيقة. سأطير يا أبي هذا الضيق في سمائنا سيكون كافيا لان احلق بها وأطير عاليا. لا تطر يا ولدي، الأفضل لك أن تواصل صراخك على تلك.

أعود في الليل التالي. حاملا قلبي وحزني، أعود إلى الصراخ، لا احد يرد، في الليل الثالث، أواصل الصراخ، يـُطل جني من سدف العتم، لقد أقلقتني. السمك نام في البحر وأنت لم تنم؟ ماذا تريد؟ الخشة في قلب رماحك تصيب ثلاثة أرباع الأطفال، عندما تطول ابنتك وتكبر قليلا ستذهب الخشة وستولي أثارها، نم الآن ودعني أنام، ثلاثة ليال وأنا لا أنام، دعني على تلتي أهيم.

تنتابني سكتة من نفذ بجلده، من أدرك أن الخسارة المحتمة باتت وراءه وليس أمامه، يعود قلبي إلى موقعه بين أضلعي، امشي بسرعة أسرع أكثر فأكثر تنبت لي أجنحة فأطير باتجاه البيت، أقف على شباك غرفة رماح، أرسل إليها نظرة استطلاع. أراها تبتسم، ما أجمل البيت بلا خوف أو مرض.

 

 

                                     الكونكورد

 

 

 

 

 

 

 

ارض المطار مالسة، أين منها ملوسة صخرات بنت النبي في مدخل قريته، مالسة ملوسة يكاد يتزحلق عليها فينزلق إلى تهوم لها أول وليس له آخر.

يرسل نظرته إلى زوجته وابنيه، ابناه شرعا يكبران، ما كان عليه أن يخبر زوجته أن صديقا له في بلاد الفايكنج اقترح عليه أن يزوره، مرغبا إياه بأنه سيخفف عنه المصروفات المتعبة إلى أقصى حد، فعلا ما كان عليه لكنه تورط، هذه ليست المرة الأولى التي يتورط فيها ويجد نفسه مسوقا إلى حتفه سوقا، كل ما ارتكبه من أخطاء في حياته كان هو الملوم رقم واحد فيه، أمه رحمها الله كانت تقول له وهما جالسان في فئ شجرة الزيتون أنت تبث طيبة، أنت يا ولدي من تورط نفسك، لسانك يجرك فتنجر وراءه.

يتوقف يتقدم خطوة يتأخر أخرى، أمامه طائرتان، آه لو كانت طائرة الكونكورد هي التي ستقله هو وأحباء قلبه إلى تلك البلاد، أما تلك الطائرة الأخرى الصغيرة إلى جانبها فقد تمنى ألا تكون وان تختفي من على ارض المطار.

يرسل نظرة رزينة يتعمد أن يزوقها بالفرح إلى ابنيه، شدوا حيلكوا هاه، إحنا مقبلين على سفر في الطائرة، هذه هي المرة الأولى، دائما ستكون مرة أولى، اسألوني أنا، أنا من سافر وخبر الدنيا..، يتوقف عن الكلام، شيء ما يوقفه يعود لمراقبة الطائرة الجاثمة أمامه مثل أبي الهول، يشعر أن ابنيه يبتسمان، يقول في سره ابتسما ابتسما من يبتسم إنما يبتسم في النهاية، تخطر في باله خاطرة لا يلبث أن ينبذها، هل يمكن أن تكون هذه المفتئة زوجته قد شبلتهم عليه إلى هذا الحد؟ هل يمكن أن تكون كشفت خوفه أمامهما إلى هذا الحد؟ ينبذ الفكرة نبذا شديدا زاجرا إياها، ومن قال إنها تعرف أنني أخاف، من أين لها أن تعرف، لكن صوتا من أعماقه يخرق طمأنينته المؤقتة، صوت أمه المحبة يطل من أفق شجرة الزيتون البعيدة، دير بالك يما المرة بتعرف كل اشي بدون ما إنها تشوفه، المرة بتعرف كل اشي، وهي مش بحاجة لحدا يقلها، لأنها بتفكر بإحساسها. معقول يما؟ معقول إني أكون ضحية هؤلاء المرافقين، طيب ما أنا مش خايف على حالي قد ما أنا خايف عليهم، أنا أخطأت ما كان علي أن أوافق على أن نسافر جميعنا معا، على الأقل كنا نبقي واحدا من الابنين، أما إذا … أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هو لا يمكن أن يتصور مثل هذه الأفكار الشيطانية، لا يمكن أن يتصور أن الطائرة يمكن أن تتفجر في الجو وان تتفجر معها أحلامه، أما اليهود فإنهم يفعلونها ويفجرون الطائرة مثلما فجروا البلد.

إشارة من شخص بدا انه مسئول هناك، جعلته يتروحن ويرتاح قليلا ناسيا ما انتابه من وساوس وأفكار، رقص قلبه فرحا، هي الكونكورد إذا، مخاطرها اقل بما لا يقاس من مخاطر أي من الطائرات، ثم انه كان حذرا وقرا عن أنواع الطائرات المختلفة، على مين ممكن إنهم هؤلاء يكذبوا؟ اخذوا بلده أي نعم، أما أن يأخذوا عقله فهذه من رابع المستحيلات نفدوا بالبلد إلا أنهم لن يتمكنوا من أن ينفدوا بكل ما يريدون.

قدماه ترتعدان كلما دنا من الكونكورد، آخ لو أن جناحين ينبتان له فيحمل ابنيه وزوجته ويحلق بهما عائدا إلى بيته، ويا دار ما دخلك شر.

مع هذا يتخذ مقعده على متن الكونكورد، يمسح المقاعد، يتفحص جميع الوجوه، دون أن يحس به احد هو يعرف كيف ينظر من تحت لتحت، هذه مهنته منذ كان صغيرا، لا احد يباريه فيها، يرتاح حينما يرى إلى وجه ذاك الذي أشار إلى أنهم سيستقلون الكونكورد، اليهود يعملونها بكل الناس إلا بأنفسهم، من هذه الناحية اطمئن لن يفجر الطائرة احد منهم، لكن يبقى في هذه الحالة، خطر أن تتفجر الطائرة لعطل ما.

تدنو منه مضيفة الطائرة، تسأله عما إذا كان مرتاحا، يرد عليها بشمم عربي، انه مرتاح تمام التمام، آخ لو تعرفين عن أية  راحة أتحدث. يهز رأسه للمضيفة، يرسل نظرته إلى ذاك الذي اشر للكونكور، هي مناسبة لان يهز له رأسه، من هز رأسه للآخرين امن شرهم، يهز ذاك رأسه، تدخل الطمأنينة إلى قلبه للمرة الأولى.

ما أن تأحذ الطائرة في الارتفاع حتى يتوجه إلى زوجته وابنيه، ليطمئن عليهم، يبتسم لهم هل انتم مرتاحون؟ لا تخافوا في المرة الأولى يخاف الواحد منا لكنه في المرات التالية لا يخاف يعتاد على ركوب الطائرات، يبتسم ابناه، ماذا يقصد هذان الملعونان، وهل يمكن أن يكونا عرفا بماذا يشعر هو الآن، طيب أمهما تفكر بأحاسيسها فهمنا، وهما هل يفكران بأحاسيس أمهما؟ كم يود لو انه تمكن من صفعهم جميعا. دوامة من الأفكار تستولي عليه، .. وفجأة، فجأة وززز، ما هذا؟ يحاول أن يسال إلا انه يترد، ينتظر أن يسال آخر من الركاب، لكن انتظاره يطول، يغيب الوز، قبل أن يعود إلى ارتياحه القديم، يعود الوز، يتبلها كابتن الطائرة، من لم يربط الحزام من المفضل أن يربطه، سندخل في منطقة غائمة قد تفقد الطائرة بعضا من توازنها.

يشعر بجفاف في حلقه، طيب إذا كانت الطائرة ستتعرض إلى بعض من فقدانها لتوازنها، لماذا لا يعطون كلا من الركاب باراشوتا، ليستعمله في الهبوط عند الخطر؟ آخ لو انه تعلم الهبوط في المظلة على الأقل، قال ايش اربطوا الأحزمة، أي هو إحنا إذا ربطنا الأحزمة يمكن أن نفلت؟ تتقدم منه المضيفة لماذا لم تربط الحزام بعد؟ لا تعرف أن تربطه، تدني صدرها من كتفه، هكذا يربطون الحزام. يبقى صامتا شعور بالتجمد الداخلي يستولي عليه، يتوجه إلى ابنيه هذه المرة، لا تخافا هذه إجراءات روتينية، يبتسم ابناه بخبث، لا يردان بل يرسلان نظراتهما إلى البعيد من نافذة الطائرة، يشعر بغصة في حلقه وهو يراقبهما ما كان عليه أن يصطحبهما هما الاثنان، ما كان عليه أن يقبل رأي زوجته فيصطحبهما على اعتبار أن تلك رحلة من العمر، ألا يجوز أن تقضي هذه الرحلة على العمر فلا تبقي ولا تذر، والله اللي برد على مرة هو مرة.

وزز، يزداد الوز كلما أوغلت الطائرة مبحرة في غيمها، ما هذا الوز؟ أيكون عطل في المحرك؟ والى إلي مدى يشكل من خطر؟ يرسل نظره إلى الوجوه كلها وادعة مطمئنة، يبحث عن مرآة ليرى وجهه فيها، المرآة بعيدة، طيب اجت منها وليس منه، إذا نظر إلى وجهه، فقد يرى ما لا يسره، أفضل له ألا يرى، ما الذي يحصل له، أيكون هو المتحسب الوحيد في الطائرة؟ كلهم لا يفهمون وهو وحده يفهم؟ نعم ولم لا؟ لم لا يكون هو الفاهم الوحيد، هو لم يخف من أمر في حياته إلا وحصل، فلماذا لا يحصل الآن ومن يضمن له؟

يتواصل الوز، يفكر في أن يتوجه إلى ابنيه أن يطلب من احدهما أن يسال عن ذاك الوز، إلا انه يتردد، يقول لنفسه بعد ساعة أو اقل نصل ويزول هذا الكابوس لكن من يضمن له أن يصل سالما غانما؟ أو لا يمكن أن تكون رؤيته لصخرات بنت النبي، صباح اليوم، في مدخل قريته هي المرة الأخيرة؟

تخرج الكونكورد من غيومها، هيئوا أنفسكم بعد قليل يكون الهبوط، الرحلة تمت بسلام، يرتفع الوز، يرتفع يرتفع يرتفع حتى لا يكون بإمكانه أن يتحمله، ما أن تهبط الطائرة على ارض المطار في بلاد الفايكنج، حتى يتصاعد الوز إلى أقصى مداه، يشعر بان كل شيء انتهى أو قارب النهاية، يطلق صرخة حبسها منذ صعد درجات الطائرة، وربما قبلها بكثير، تنطلق من فمه منغمة كأنها ترنيمة لموت محتم: يما، يطلقها مثل قوس فلت من عقاله، تتبعها يما أخرى اشد والعن من سابقتها، تقابلها قهقهات يرسلها ابناه وزوجته هذه المرة دون أن يخفوها عنه.

 

 

 

                                      ليلة حلم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أريد أن أخبركم منذ البداية أنني اكتب هذه القصة، لأنني غاضب. نعم أنا غاضب، قد تعرفون فيما بعد لست صاحيا تماما حتى أتمكن من إخباركم بكل ما لدي.

المني جدا أنها اختفت أنها ظهرت لتشعل ليل وحدتي. قد تقولون طيب لتختف هي وما دخلنا نحن بها وبغضبك؟ عندها سأقول لكم انه لا دخل لكم، سوى أنكم تورطتم بقراءة قصتي هذه، الحقيقة أنني أنا من ورطكم، أنا اعرف كيف توضع العناوين الجذابة وبت اعرف لكثرة ما عاركت الكلمات، كيف أحاورها وأداورها وأوقع قراءها في شراك أتقنت نصبها رويدا رويدا ابتداء من أكثر من خمسين سنة إلى الوراء. بينكم من يريد أن يتحداني؟ ليفعل، أنا أيضا اعرف كيف اتحدي. أقول لكم؟ اعتبروا هذه القصة إعلانا للبحث عنها، اعتبروها محاولة للبحث عنها، منذ اختفت وأنا اسأل عنها، ولا أجدها، لم ادع زاوية في عالمي إلا ونقبت فيها عنها، أكاد اجن لغيابها، بعد أن لامست يدي يدها وروحي روحها.

يخرب شر المرأة عندما نريدها تنفض عنا إلى المجهول، وعندما تريدنا هي ننفض نحن عنها، قضيت عمري كله وأنا احلم بها، إلى أن أنهكني التعب، فقلت لنفسي دعها يا ولد، أنا في الواقع لست ولدا في السادسة عشرة، أصدقائي يقولون إنني ولد تزحف سنوات عمره نحو الستين.

هكذا تركتها ومضيت نحو عزلتي، قلت لنفسي، اخسر المرأة لكن اربح الكتابة على الأقل، اعتزل الدنيا واختبئ أنا وكمبيوتري في غرفة صغيرة، نقضي الليالي معا وحينما يتعب احدنا من الآخر يطلب إجازة فتكون له، لا تضحكوا لا تقولوا إن الكمبيوتر لا يتكلم، إذا سألتموني كيف يتحدث أقول لكم، انه يتحدث بلغته، بالضبط مثلنا نحن بني البشر، الفرق بيننا وبينه أننا أحيانا لا نفهم لغته مثلما لا نفهم لغة اليهود والأمريكان، تريدون أن أقدم لكم أنموذجا من لغته؟ طيب حاضر، لكن لن افعل هذا قبل أن احكي لكم ما فعله بي.

كان ذلك في أواخر واحدة من ليالي الشتاء، كنت أكاد أتجمد من البرد، وأنا اجلس إليه، إلى الكمبيوتر، ظللت ابحث عن امرأة فيه، ابحث وابحث، إلى أن أطلت امرأة لم تر عيناي امرأة أخرى في مثل جمالها، رايتها في البداية في صورة عنزة سوداء، تضع رجلها الأمامية على صخرة مرتفعة على جبل سيخ، وتطلق ثغاءها، كأنما هي تنادي فحلها، قلت ها هي فرصتك قد أزفت، أيها الكاتب، لتلتقي بالمرأة التي تمنيت، امرأة من بلادك، وليست من أي بلاد أخرى، امرأة كل ما فيها يشبه بلدتك.

ما أن وقعت عيناي عليها حتى اختفت، قالت لي أعوذ بالله من عينيك، أنت تريد فاكهة تفترسها وليس امرأة تحبها، عندما لمست انك بحثت عني كل هذه السنين، منذ البدايات الأولى حتى النهايات الأخيرة الحالية، قلت لنفسي ربما تنجـّر وأصبح إنسانا، ربما كان فعلا بحاجة لامرأة.

ما أن أدارت ظهرها تريد أن تولي حتى هتفت بها راجيا إياها أن تبقى، أن تستمع إلى بضع كلمات، أن تمنحني فرصة، ثم أنها لا يصح أن تظهر هكذا مرة واحدة وتختفي حال ظهورها، ألا يعقل أنها فهمتني خطا؟ حينما نطقت بهاته الكلمات الأخيرة، أدارت ظهرها وسارت باتجاهي، رقص قلبي، إلا أنني تماسكت، لم يكن أمامي من مفر سوى التماسك، وإلا فإنها ستقرر الانصراف، وما أدراني كم ستغيب وما إذا كان في العمر متسع لعودتها، في المرة الأولى، التي هي عمري، انتظرتها نحو الستين عاما، ترى كم مثل هذه السنين، يوجد في حياة الواحد منا نحن بني البشر؟ لا أنا لن ادعها تولى هذه المرة، أما الكتابة فلتذهب إلى الجحيم، من كتب حتى الستين، ولم يتمكن من إقناع امرأة بان تصبح له، قد لا يتمكن من إقناع امرأة حتى لو كتب للمائة والعشرين.

أخفضت راسي مثل طفل انتابته حالة وجل مفاجئة، ورحت أرسل نظراتي إليها من تحت لتحت، نعم هكذا اقتربي اقتربي، كي أرى الكون فيك، اقتربي فقد انتظرتك عمرا. كانت كلما اقتربت مني يقترب فرح العمر، هل تعرفون فرح العمر؟ أنا ذاتي لا اعرفه. ما أن بات بإمكانها أن تطولني بيدها البضة الرخصة، حتى بادرت إلى رفع راسي من انخفاضته، قالت تريد أن أبقى معك والى جانبك؟ أجبتها، مثل الولد الشاطر، بهزة من راسي علامة الموافقة، قالت اسمع سأمنحك فرصة العمر، سأكون معك، لكن لي شرط.

ما أن قالت لي إنها ستبقى إلى جانبي، حتى ابتدأت براعم الورد تتفتح في كل مكان، لم اعد اسمع كلاما غير ما قالته، رحت أرفرف مع الطيور المحلقة في أعالي الجبال، ولم يهمني أنها أرادت أن تشترط على من اجل وجودها بشرط ما، بدا أنها أدركت ما بي من فرح، فعادت تسألني، ألا تريد أن تعرف شرطي؟ هتفت بها دون أن أفكر، مثلما فعل مجنون ليلى بالضبط، قلت لها اشرطي كما تشائين. قالت أولا أنا لن آتي إلا في الليالي، وفي أواسطها تحديدا، هززت راسي موافقا، قالت سيكون لك كل ما تريده مني، سأكون حوريتك وملهمتك وكل ما أردت وتمنيت، شريطة ألا تفتح عينيك لتراني، وأضافت قائلة، تذكر ما أقوله لك الآن جيدا، تذكر انك إذا ما فتحت عينيك ورأيتني فانك ستخسرني.

قلت لها دون أن أفكر فيما أقوله مرة أخرى، لن افتح عيني، ألا يكفي أنني رايتك الآن؟ ألا يكفي انك سحرتني بكل ما انطوت عليه أعطافك من جمال؟ ابتسمت وولت وهي تؤشر لي بيدها وعينها، هذه هي المرة الأخيرة التي تراني بعينيك فيها.

جلست بعد انصرافها أفكر فيها واعد الساعات حتى يأتي الليل، ما أطول الساعات حينما يكون لدينا موعد هام، أخيرا انصرم الوقت وابتدأ الليل، تمنيت حينما حل الظلام أن امسك به من جديلته وان اجذبه إلي، غير أن هذا لم يكن بمستطاعي، قلت لنفسي والله فيلم، هكذا نحن بني البشر، نبقى عزابا طوال العمر، بيد أننا ما أن تحين ليلة دخلة الواحد منا حتى يشعر بنكبته تطرق أبوابه، وكأنما ما كان فيه من بعد عمن حلم بها، لم يكن.

بقيت على هكذا حال انتظر منتصف الليل أن يأتي، دون أن يفعل، إلى أن هدني التعب، تعب الانتظار، فرحت أسافر موغلا في حلم تلو الآخر، حتى وصلت إلى الحلم السابع، هناك وجدت نفسي استلقى على سرير من الورد يسبح على سطح نهر ممتد، صافي المياه، أغمضت عيني لا أريد أن افتحهما، عندها شعرت بيد تلامس شاربي وتعبث بهما، الله ما أجمل شاربي، لقد أصابني ما أصاب كاتب عراقي، نسيت اسمه الآن، خرجت إليه امرأة أرادها وراحت تعبث بشاربيه، ولم لا، أنا أشبه العراقيين في أكثر من وضع، من ناحية الشكل أكاد أن أكون عراقي القلب واليد واللسان، هناك تشابه لا حدود له بيني وبين العراقيين، أما من ناحية عشقي للنساء فإنني أكاد أن أكون نسخة طبق الأصل من أهلي العراقيين، ناهيك عن أنني اتفق مع الإخوة البغداديين على أهمية الانتساب إلى ألف ليلة وليلة وشهرزادها الفاتنة.

عبث تلك اليد خلب لبي، أردت أن افتح عيني لأراها، إلا أنني خشيت أن اخسرها، قلت لنفسي، وشو عليك يا ولد، بإمكانك أن تنعم بجنتك الحلمية هذه، سواك من الناس نادرا ما تسنح لهم الفرصة لان يعيشوا مثل ما تعيشه من حلم، غصبا عني رقص شارباي، فرقصتهما أكثر، ثم أدنت فمها من فمي، فعلا أنت تمتلك شفتين ساحرتين، النساء اللواتي لا يرين مثل هكذا شفتين لا يرين شيئا. لامست شفتاها شفتي، شعرت أن العالم يلامسني، احتضنتني، احتضنتها، كان كل منا اخف من النسمة، على من قبالته، رحنا نتقلب على سطح الماء، الطريف أننا كنا نتدحرج كأنما نحن على سطح من زجاج. كنا نتدحرج لاهيين، لا نريد من الدنيا سوى أن تتواصل تلك اللحظة.

ظللنا نتدحرج من غيمة إلى أخرى، وأنا أكاد اجن بها، بالضبط مثلما شعرت بها هي تكاد تجن بي، والله انك ابليس، ابليس من يوم يومك، كل هذا يصدر عنك؟ معقول انك احتبست كل ماضيك، كل تاريخك للحظة مثل هذه؟ معقول أن شيئا لا يذهب وأننا إنما نحتفظ بقوتنا إلى معركة حقيقية مثل أم المعارك؟ معقول أنني امتلك كل هذا السحر؟ يا لله ما أحلى هذا، ما أحلى أن تعيش حلما رافقك طوال سنوات عمرك الماضية، وفجأة يكون لك، كم هي جميلة لحظة تحقيقك لذاتك مع امرأة عشتها خيالا طوال نحو الستين عاما.

نحن، أنا وهي، نواصل تدحرجنا على قطرات ماء النهر، نلامس ما تناثر على سطحه من ورود فيفوح أريجها، كأنما هو خلق لنا، المهم أن أحدا منا لا يشبع من الآخر، ولا يريد أن يفارقه، بقدر ما يريد أن يتداخل فيه، أن يصبح هو هو وليس سواه، كما هو عليه في الواقع. ليس هناك أحلى من أن يضحي الواحد منا إنسانا كاملا له أربعة أعين وأربعة آذان وأربعة أرجل، يرى من الخلف مثلما يرى من الأمام وكذلك يسمع من الناحيتين، أما في حالة السير فانه يمكنه أن يسير في كل الاتجاهات، ما عليه إلا أن يغير الاتجاه وينطلق.

التصق احدنا بالآخر، بات يألفه إلفه لنفسه، وسع به دائرته الذاتية، صار أوسع أوسع أوسع، من يعرف مثل هكذا وساع، لا يمكن أن يتقبل أي ضيق، يخرب شر الحياة ما أحلاها، وأنت تسافر في دنيا الماء والورد والمرأة.

كان الليل قصيرا، خشيت أن ينتهي وان يكون ما فيه ما هو إلا حلم، شرعت اضرب أخماسا في أسداس، لماذا لا افتح عيني؟ حتى لو صدقت في تهديدها لي أنني سأخسرها إذا ما فتحت عيني، من المؤكد أنها لن تفعل، هي أحبتني مثلما أحببتها، ولا يمكن أن تتركني لمجرد أنني أردت أن أرى بأذني إلى تناسق جسدها، وإذا ما أردت أن اسمع بعيني موسيقى روحها.

مضى شطر من الليل وأنا أفكر على هذا النحو، في النهاية أقنعت نفسي بأنني ينبغي أن أراها، وانتم تعرفون حاليا ما حصل لي عندما فتحت عيني، نفضتني من على صدرها، طرت في عالم الحلم أتهاوى من حلم إلى آخر إلى أن طويت العالم الحلمي السابع وسقطت على الأرض، عندها أدركت أنني عدت إلى متاهتي السابقة. عرفتم الآن لماذا أنا غاضب؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

طريق المندلة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جوع للسمينة لازمني منذ كنت صغيرا، ازداد إيقاعه منذ التقيت بها قبل فترة، منذ ابتدأت بالتدلل علي تحديدا، ها هو الجوع يلازمني أكثر، حينما كنت اقترب من باب بيتي الخالي من زوجتي. زوجتى لم تكن هناك هجرتني يا سيدي، قال ايش لا تريديني بعد عشرات السنين من الارتباط، ويمكن الحب، مش عارف.

اقترب من البيت اقترب إلا أنني لا أصل، لا أصل، السمينة تقترب مني تحك بي عجيزتها، تلامس جسدي فيطير عقلي ليسرح في مرابعها الغنية بما لذ من أطايب الجسد الإنساني، ما أن يتلامس جسدانا حتى تبتعد عني تاركة إياي لمليون من الأسئلة، إذا كنت لا تريدين أن تقتربي لماذا تشعلين النار في جسدي المسكين؟ ترد بدلع نسائي اعرفه كما لا يعرفه احد سواي، لم اقصد ما حصل لم يتم بالقصد، كان عليك أن تخلي الطريق، الطريق لا يتسع ليمر منه كل منا في الآن ذاته.

 هي تريد أن يكون اقتراب أكثر إذا، هذا هو المعنى الأخير للكلام.

طيب إذا كانت تريد، مثلما أريد، لماذا هي ترفض؟ وتبتعد؟ أتكون مترددة أم راغبة، أم واحدة من هاتين الحالتين تكمل الأخرى، فتصدق عليها الآية الكريمة، وتلبسها لتأتي على قدها وكأنما هي أنزلت لها؟ لا بد أن أجرب، في الأمور الجدية عليك ألا تقف مكتوف اليدين، وإلا فإن هذه الامور تطير ولا تعود إليك مرة أخرى، تطير مولية في فضاء مـُضبب لا يـُمكنك أن ترى يدك في حال مدك لها عبره. اقترب منها دون أن أشعرها واغفُّ عليها مرة واحدة مثلما يفعل المحتاجون في مثل هكذا مواقف؟ نعم لأفعل، وماذا سأخسر ؟ أذا لم اربح، فإنني لن اخسر، أنا متأكد من هذا، أما الربح إذا حصل فانه سيكون وفيرا، كون الصيد سمينا.

ينبعث الرنين، لا اعبأ به، لتنتظر كل تلفونات الأرض، أنا ينبغي أن أعيش الفرصة وإلا فان الليل سيطول، ولن أتمكن  من تمضيته وحيدا، مثلما حصل في ليال سابقة، خالية من الحياة، ممجوجة ثقيلة الحركة بطيئة الكواكب.

أدنو منها اشعر أنها تدنو مني، تفح رغبتها بنوع غريب من الغنج السمين، تهتف لا تقترب أكثر، أرجوك، اشعر بها تدعوني عبر رفضها، أدنو أكثر، تغلي نار الشهوة في عروقي مثل ماء في مرجل منذ أيام امباذوقليس واشتعالاتها اللامتناهية، أتخيلها تستلقي بالقرب مني، قبالتي على مبعدة سانتمترات، الشهوة نار تكاد تستبعد ما تبقى من عقل ٍ قضت زوجتى على ثلاثة أرباعه، وتبقى ربع لا يصلح للتعامل مع السمينة قبالتي بشكل عادي، جسد السمينة يشتعل رغبة، لا تفعل هذا لا تفعله، اشعر بها تدعوني، احترق رغبة ً فيها، في بحرها الأبيض المشتعل، أسعى إلى مندلتها، إلى صميم صميمها، إلى مركز جسدها، أصوب كما لم أصوب نحو هدف من قبل، تتهاوى مياه الحياة في رشقاتها المشتعلة، قبل أن تصل إلى صميمها.

يرتفع الرنين.

أتجاهل العالم حولي، أتجاهله مجنونا به، أتجاهله لأعيشه، الرنين يتحول إلى موسيقى أتهادى على جسدها المشع حرارة، أتهادى أتهادى أتهادى، قبالة عيني تتجلى طريق المندلة مندلتها، إني أراها وبإمكاني أن أصل إليها، بإمكاني بعد أن تنبعث مندلتي مجددا، بعد أن يتركز وجودي، أن أعاود الكرة، أن أطلقها باتجاه مندلتها، ليكون الاكتمال بين دائرتين ومركزين، هما أنا وهي.

الرنين يشتد.

اشعر برغبة في الفعل، في الاقتراب منها، ترسل نظرة مغرية، لسانها يقول لا تفعل هذا ومندلتها تدعوني لان افعله، شعور قوي يستولي علي، يطلب مني أن اخترقها عابرا إياها إلى آفاق تسبح فيها طيور الحياة، فأسبح معها، نظرتها تفسر لي كل ما غمض، فاقبلُ عليها مكتفيا بعضـِّها، لكن بشفتي، ما أن اشد قليلا بأسناني، حتى تتفجر السمينة قبالتي شهوة.. تابع الآن أرجوك، لا تتوقف، تابع سوف نطير معا.

تفح مجددا: الطريق الآن لا يتسع إلا لنا معا، هذه المرة لا امزح.

 

يرتفع الرنين.

 

افتح عيني، اهرع إلى التلفون، من يمكن أن يتصل في هذا الصباح؟ السمينة على الطرف الآخر تريد أن تطمئن علي.

 ترى هل رأت مثلما رأيت في منامي ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مجمع تجاري

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عند باب المجمع التجاري أراهما يقتربان مني، تفلت ابنتهما يدها من يد والدها، تجري نحوي، أتلقفها مثل طائر حبيب، احتضنها كم أنا أحبها، الصغيرة كبرت، احتضنها بين يدي اقترب منها، يتوجه إلي والدها، أبي ادخل معنا إلى المجمع، يشير إليها في حضني إنها تحبك، منذ فترة لم تزرنا، لهذا هي تسال عنك دائما، تريد أن تراك، ادخل معنا ريثما تشبع منك فيما بعد تنصرف، أقول لابني أنا مشغول يا ولدي، لدي الكثير من الكتابات التي تنتظر، سأعود إلى معتزلي، هناك أنا يجب أن أكون، سأزوركم فيما بعد، أما الآن لا استطيع، القصة لا تنتظر وعلي أن اكتبها قبل أن تطير شوختها من راسي.

تداعب الصغيرة في حضني شاربي، جدي أنا احبك، أريد أن آتي معك، الصغيرة الشقية تحل المشكلة، لكن إلى أين تأتي معي؟ أنا في معتزلي هناك، حيث الغرفة الموحشة، الكلمات المهومة في الفضاء، الجنون الهارب، الفضاء الموحش اللامتناهي، ماذا افعل، يقرا ابني الحيرة في عيني، أبي خذها مشوارا قصيرا، واعدها بعده، هي ستمل بسرعة، لكن كيف أعيدها يا ولدي؟ يشير ابني إلى فتحة في سياج ضـُرب حول المجمع حتى لا يتمكن احد من الهرب، في حال وجود ” غرض مشكوك في أمره” أو عملية تفجيرية، من هذه الفتحة يمكنك إدخالها والدخول معها أيضا.

يبتسم ابني وزوجته، يمضيان، تتعلق الصغيرة برقبتي، أين أنت يا جدي؟ اشتقت إليك، ابتسم لها، أنا هنا، أفكر في أن اشرح لها عن معتزلي، أن أقول لها إن جدك بات شيخا كبيرا، يجري وراء أحلامه في الكتابة، أتراجع في اللحظة الأخيرة، تلح الصغيرة طالبة إجابة، لا أجد أمامي من مفر سوى أن أقدم لها ما أرادت، سأكتب قصة لك. تبتسم الصغيرة، تكتب قصة لي، اروها لي اروها الآن، أحب أن استمع إلى القصص، لا أحب القصص التي يحكيها لي أبي وأمي، هم يرددونها دائما، أريد أن استمع إلى قصة جديدة منك. أبي قال لي انك تكتب القصص، احك لي قصة.

أرسل نظرة إليها، كم أحب هذه الشقية الصغيرة، تركتها قبل فترة وانصرفت إلى معتزلي، وهاأنذا أعود بعد فترة لتملأ عالمي بالكلام، لم أكن أتصور أن يفلت لسانها بكل هذا الكلام بهذه السرعة، والدها، ابني، لم ينطق بكلمة إلا بعد أن بات اكبر منها الآن بسنة أو سنتين، ما زلت أتذكر كيف نطق بكلمته الأولى، كان ذلك حين وضعت فمي على أذنه وهمست بها قائلا، كم احبك، فما كان منه إلا أن احتضنني، وأنا احبك يا أبي، من يومها زال حاجز الخجل وانطلق لسانه يقول أحلى الكلام، أما هذه الشقية ابنته الصغيرة، فها هي تطلب مني أن احكي لها قصة، لا خوف ولا وجل، ما افتح هذا الجيل.

انطلق مبتعدا عن المجمع التجاري، تسألني الصغيرة في حضني، إلى أين أنا متوجه؟ تمسك بياقتي، أريد أن أعود، أريد أمي وأبي. افهم أن المشهد انتهى، الآن لا بد لي من أن أعيدها.

أبواب المجمع مغلقة، تصدني عنها، يعترضني حارس، أنت لا تستطيع أن تدخل، اسأله ماذا حصل، يرسل نظرة حاقدة نحوي، اقرأ فيها كلاما اسود، اشعر به يقول لي تفعلون فعلتكم وتتساءلون؟.

 انزل الصغيرة على الأرض، لعله يراها، نحن أيضا يوجد لدينا صغار، نخشى عليهم من نسمة الهواء، يبرم بوزه أكثر، يبدو انه لم يفهم الرسالة.

ابتعد عنه، انظر إلى عدد من الرجال يحملون صغارهم في أحضانهم، ربما كانوا مثلي، أتذكر الفتحة التي تحدث عنها ابني، الفتحة في السياج، ارفع الصغيرة، أدليها بصعوبة منها، ما أن تلامس قدما الصغيرة الأرض حتى تطير منطلقة إلى الداخل كأنما هي فهمت الرسالة، بدون أن تركض قد لا تدخل وقد لا ترى والديها، ما أن أحاول أن ادخل وراءها، حتى يقترب مني مجند وقف هناك حاملا سلاحه، عد وإلا.. افهم الرسالة، بسرعة افهمها، لست بحاجة إلى تكراره لها، نحن نفهم عليهم بسرعة، أما هم لا يفهمون علينا، ستون عاما مضت ونحن نحاول أن نوصل إليهم الرسالة، وهم لا يسمعون، أما هم لا يحتاجون إلا إلى نظرة تقطر سما، حتى نفهم عليهم، نفهم رسالتهم الملأى حقدا.

ارتد إلى الوراء، حالة من العجز تستولي علي، ما الذي حصل، اشعر بحاجة، إلى فهم ما حصل، اركن راسي إلى جدار قريب من هناك من المجمع، أحاول أن استعيد ما حصل، شريط سينمائي ذو صور متلاحقة يمر من قبالة عيني، أتوصل في النهاية إلى النتيجة المرعبة، ما أدراني أن ابني وزوجته في الداخل؟ ومن أين لي أن اعرف أن الصغيرة وصلت إليهما؟ ألا يمكن أن تتوه هناك وان يأتي من يقضي على الابتسامة الجميلة الحالمة برواية القصص الجديدة؟ ما أتعسني إذا حصل هذا، اشعر بنشاف في فمي، هل نحن على أبواب فترة قاسية جديدة؟ هل أنا أعيش الآن لحظة ستضحي فاصلة في تاريخي الشخصي؟ هل سأؤرخ بها لنفسي قائلا قبل حادثة المجمع وبعدها؟

حالة من الخدر تجتاح أطرافي، ابني في خطر زوجته في خطر محبوبتي الصغيرة التي كبرت في خطر، أية لحظة هذه؟ ولماذا قيض لي أن أعيش في هذه البلاد المنكوبة بالسخط، لماذا لم أولد في بلاد أخرى بعيدة تتقافز الطيور على أفنانها، وتطلق أغاريدها؟ لماذا ولدت هنا في هذه البلاد، حيث تصمت اللحظات، وتتوقف الطيور عن التغريد، وتكفهر السماء؟ وماذا سأقول لابني ولزوجته، إذا ما خرجا، الآن بعد ساعة أو ساعتين، بعد يوم أو يومين ثلاثة؟ بل ماذا سأقول لنفسي؟ سأقول إنني كنت غبيا وتصرفت برعونة كاتب يريد أن يكتب قصة؟ ما أتفه ما سأقوله، أمام دمعة والد ووالدة وجد ما زال يحلم بان يصبح كاتبا يشار إليه بالبنان.

استرخي استرخي استرخي، حالة من الاسترخاء تستولي علي، أهي لحظة النهاية تقترب؟ ربما، آه لو لم أمر من هنا من قرب هذا المجمع اللعين، آه لو بقيت هناك في معتزلي البدوي المشرد، بعيدا عن هذا المعترك المدني المتأورب.

اللحظات تمر ثقيلة عسيرة. تمر كأنما هي لا تريد أن تمر وأنا وحيد أمام كتل الاسمنت والبطون، لا أرى إلا حزني الصحراوي يطل على هناك ترافقه ارض رملية لا حدود لتعاستها، كم أود لو أن اللحظة ما كانت، لو أنني بقيت هناك في عالمي الموحش اركض وراء قصة هاربة اكتبها، الآن اكتملت دائرة الألم، الآن اشعر أنني بت نخلة وحية في صحراء العرب.

ماذا بإمكاني أن افعل والمجمع مغلق وعلى أبوابه جنود لا تعرف نظـّاراتـُهم الرحمة؟ ماذا بإمكاني وأنا أواجه لحظة مصيرية قد افقد فيها سعفي وشمسي؟ مستقبلي وأيامي القادمات؟ اترك الأمور تجري كما هي وكما يشاء لها الجنود والحراس؟ نعم لأتركها، ثم من أنا الآن في هذه اللحظة خاصة، حتى أملي إرادتي على كل هذا الفضاء، بجنوده المدججين بالسلاح وحراسه؟ لاستسلم إلى اللحظة ولأدع الوقت يقدم الإجابة، أنا لا استطيع أن أقدم أية إجابة، ما كتبته من قصص خـُلـّب ٍ الآن، لن ينفعني إلا في أمر واحد، هو كيف أتعامل مع لحظة قاسية لا تقل فيها فظاظة نظرة الجندي قدرة عن التوماهوك.

نعم لأرخي راسي إلى كتلة اسمنت أخرى، ما أن افعل ما أن أرخي راسي، حتى تطل صورة صغيرتي، من سمائي، جدي؟ لماذا تركتني وحيدة هنا بين أعداء لا يرحمون؟ أإلى هذا الحد أغرتك القصة فجريت وراءها، تهمي من عيني دمعة، لا اعرف ماذا يمكنني أن أقول لها. لا اعرف سوى أن انتظر فمن يعرف فقد يأتيني غدا بالأخبار من لم أزود.

أغمض عيني لا أريد أن أرى هكذا عالما، ليعش هذا العالم جحيمه، وليدع لي فسحة من الحلم، افتح عيني، لا أرى سوى الجنود والحراس، أحاول أن اهتف بهم، أن أقول لهم دعوني ادخل إلى المجمع، دعوني أكون مع أحبائي هناك، إلا أن لساني يخونني، أغمض عيني، افتحهما .. كم هو مرعب هذا المكان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                     رغبة الكتابة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عام 1963

تدنو منه أمه في الغرفة الجديدة، ماذا تفعل هنا؟ اقرأ، يقول لها، ماذا تقرا؟ تسأله، يرسل نظرة صامتة إليها، ويتابع القراءة. تسأله أمه وهي مولية ألا تريد أن تتناول الطعام؟ بعد قليل يا أمي، بعد قليل.

تنصرف أمه، يواصل القراءة في كتاب ” الأم” يطوي الصفحة تلو الصفحة، يتوقف عند بعد الكلمات يعيد قراءتها لا سيما تلك التي تتحدث عن صمود الأم وثباتها على ارض لا تميد، أم مكسيم جوركي تشبه أمه من العديد من الجوانب، الاثنتان مناضلتان في هذه الحياة، الفرق بينهما أن المجال اتسع أمام أم جوركي وضاق أمام أمه، أمه جاءت مع أبيه وأخويه الأكبرين من قرية سيرين بعد أن طردهم منها اليهود، كم من مرة حكت له عن كفاحها من اجل أن تحافظ على ما تبقى من الحياة.

يواصل القراءة، كم هو معجب بما يقرأه، يشعر بقدمي أمه تدبان بين الغرفتين، يفتعل عدم رؤيته لها، تدنو منه تضع يدها على رأسه بحنو لا حدود له، ألا تريد أن تتناول الطعام يا ولدي؟ بعد قليل يا أمي، بعد قليل. الساعة متأخرة يا ولدي أخشى أن أنام دون أن أضع لك الطعام، لا تخافي يا أمي لا تخافي، بعد قليل أعدك أن افرغ من القراءة، وان آتي إليك.

يبقى وحده في الغرفة لا يشعر إلا بحركة الحياة تنبعث من الكتاب بين يديه، المقارنات تتواصل، الناس عند جوركي يقاومون الظلم، الناس حوله مستسلمون له، لا حول بيدهم ولا قوة، أبوه يعمل بعيدا عن البيت وأمه تحاول أن تسد الغيبة، أحيانا تعمل في أراضي اليهود، اليهود اخذوا البلد واخذوا معها راحة البال، لم يخلفوا وراءهم سوى الشقاء.

الليل يمضي متقدما دون أن يشعر بأنه في ليل، الكائنات في كل مكان صامتة إلا هو هناك في غرفته هو يقرأ الصفحة تلو الصفحة، حالما بامتلاك عالم ما يقرأه.

يواصل القراءة. تهل تباشير الفجر، تستيقظ أمه من نومها، يشعر من حركتها تدب في ساحة البيت، تدنو منه مرة أخرى، أما زلت تقرأ منذ مساء أمس؟ لماذا تفعل هذا كله؟ أريد أن أكون كاتبا، يرد عليها بشمم، أريد أن اكتب القصص عنكم وعن عذابكم مع الأيام. تنظر إليه أمه كمن لم يفهم، ماذا تقول ستكتب القصص؟

 عام 1968

يكتب قصته الحقيقية الأولى، قبلها كتب الكثير من القصص، ما أن كتب تلك القصة حتى شعر انه وضع قدمه على بداية الطريق، ليس مهما ما يقوله الآخرون، المهم ما نقوله نحن عن أنفسنا، هو شعر بنفسه أصبح كاتبا، أخيرا تمكن من الكتابة عن أمه ومدينته، بل عن حبيبته المتخيلة، لكن ماذا عليه أن يفعل كي يتأكد من انه أصبح كاتبا؟ الكثيرون من أصدقائه القلائل امنوا به قالوا له انك كاتب بالفطرة، قرؤوا كتاباته بانبهار، أنت مولود لتكون كاتبا، هو يعرف انه أصبح كاتبا لكن كيف يتأكد؟ كيف يعرف أن ما يسمعه من أصدقائه لا يعدو كونه شفقة ورأفة بولد مهجر ابن مهجر؟

ظل يفكر إلى أن توصل إلى تحد ليس سهلا، ما لبث أن بادر إلى خوضه، فإما يكون أو لا يكون، إما أن يواجه فشله وإما أن يضع قدمه في خطوتها الأولى على طريق المجد (كان متأثرا فعلا بكتاب” طريق المجد للشباب لسلامة موسى).

طوى القصة عدة طيات وضعها في مغلف اشتراه من المكتبة خصيصا، كتب عليه عنوان مجلة” الجديد” المجلة الأهم في بلاده تلك الفترة، وأودعها صندوق البريد الأحمر القريب جدا من بناية البريد في الناصرة، أودعه هناك إبعادا لأي سبب قد يحول دون وصول الرسالة إلى عنوانها.

في نهاية الشهر اشترى مجلته المقدسة، ليفاجأ بقصته منشورة فيها، حمل المجلة كأنما هو عرف انه يمكنه أن يفعل شيئا للمرة الأولى في حياته، وركض إلى بيته، كان فرحا يريد أن يشارك الإنسان الأعز على قلبه فرحه بقصته.

اقترب من أمه احتضنها، لقد أصبحت كاتبا، أصبحت كاتبا يا أمي. أمه ترسل نظرة مستفسرة، ماذا تقول؟ أصبحت كاتبا؟ يعني ستكتب الرسائل لمن لا يعرف كتابتها ستعمل قبالة المسكوبية؟ كلا يا أمي، انتظري ها هي أهم مجلة في البلاد نشرت واحدة من قصصي. ماذا يعني هذا يا ولدي أنا لا افهم عليك، هذا يعني أنني أصبحت كاتبا يا أمي، سأملأ الدنيا قصصا عنكم وعما ذقتموه من عذاب. لا افهم لا افهم يا ولدي، على كل حال ” على الله يطلع من بيت هالمطبلين مزمر”، سأزمر يا أمي سأزمر، سأكون كاتبا، سأكتب أجمل القصص.

عام2006

تأتيه أمه في منامه، تقترب منه، هو ما زال يقرا الكتاب تلو الكتاب، أما زلت تقرا الكتب يا ولدي؟ نعم يا أمي، الكتاب لا يتوقفون عن قراءة الكتب، إلا في واحد من أمرين حينما يرحلون من هذه الدنيا، أو حينما يفقدون أبصارهم، ويستدرك حتى حينما يفقدون أبصارهم فإنهم يبحثون عمن يقرا لهم الكتب.

تتمعن والدته في ملابسه، لماذا أراك تزداد فقرا يا ولدي؟ لقد أصبحت كهلا وبعد قليل تصبح رجلا مسنا، وأنت كما أنت ما زلت فقيرا، إلى متى ستبقى فقيرا يا ولدي، ألا يفيدك انك أصبحت كاتبا؟ لست فقيرا إلى هذا الحد يا أمي، ثم إنني لا اعرف ماذا يخبئ لي الغد، كم كنت أود لو انك بقيت إلى جانبي في عالمي الفاني هذا لنقطف ثمرة أحببت أن نقطفها معا. تتمعن أمه في ملابسه، لكن لماذا ترتدي هذه الملابس الرثة يا ولدي؟ يحاول أن يشرح لها أن يقول لها إن الإنسان الجميل يبدأ من الداخل إلى الخارج، وليس العكس، وان من يبدؤون من الخارج إنما هم أناس تعساء، يشرح ويشرح ويشرح، إلى أن تستوقفه أمه بإشارة من يدها لا افهم ما تقوله يا ولدي، أنت تعرف أنني أمية لا اقرأ ولا اكتب، إلا أنني افهم أن الواحد منا نحن بني البشر إنما يحاول أن يحسن حياته. أنا أحاول أن أحسن حياتي يا أمي، لا تقلقي، أرجوك لا تقلقي، طريق الكتاب كثيرا ما تكون طويلة، أطول من أعمارهم، لهذا هم يعيشون أحيانا بعد رحيلهم، لا افهم عليك يا ولدي، ما افهمه انك ينبغي أن تعيش حياة أفضل من هذه، وماذا تقترحين يا أمي؟ اقترح عليك أن تبحث عن عمل آخر يمكنك من أن ترتدي أفضل الملابس، لن ابحث يا أمي، قلت سأكون كاتبا، يعني سأكون كاتبا.. ولن أتنازل عن حلمي.

 

 

 

هذيان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعال أيها الصديق تعال إلي هنا، منذ ساعات الصباح وأنا انتظر أن اعثر عليك في شوارع هذه البلدة القاسية الغليظة، لو لم تكن في هذه الشوارع ما كنت اعرف ماذا بإمكاني أن افعل، صرت أتجول في شوارع الناصرة صباح كل يوم جمعة لألتقي بك لأراك لأسكب أمامك فيض حزني، أنت الوحيد في العالم من يعرف ألمي وحزني، منذ سنوات أضحيت موئلا لآلامي أنا الشاعر الحزين.

يدنو مني دنو الغصن من شجرته وارفة الظلال، يرسل ابتسامة لا تخلو من مكر، يزيد في مكرها أنها تنطلق من وراء عدسة نظارته الطبية، ماذا تقول، هاأنذا أراك صامتا، ادني وجهي من وجهه، اعرف انك إنسان مخلوق من الندم.

يستوقفني بحركة من يده، ماذا قلت؟ أنا إنسان مخلوق من الندم؟ فعلا هذه هي الحقيقة من أين أتيت بهذا التعبير النادر، أعدك أنني سأسجله في دفتر مذكراتي، أنت تعرف أنني، أنا أبو سما، لا أسجل إلا الكلمات الهامة التي تستحق التسجيل.

يقودني من يدي، إلى أين نحن متجهان؟ اسأله يجيبني ألا تريد أن تأتي معي؟ ألا تريد أن ترافقني؟ أجيبه بهزة من راسي، بلى بلى سنذهب معا سنذهب إلى هناك، سننتظر باصا لا يأتي، وامرأة في البال، يصر على أسنانه، المرأة آه من المرأة، تعال تعال، اجلس هنا هنا قريبا مني، عندما يلتقي عملاقان بحجمنا أنا وأنت تصغر جميع الوجوه، ويبقى وجهانا ووجه امرأة متخيلة أحيانا تحضر وأخرى تغيب، المرأة آه من المرأة ماذا فعلت بي، يخزني بيده مؤشرا إلى امرأة تمر من خلفنا، انظر إليها، انظر إلى أصابع اللولو، ولك يا زلمة ولا واحد في العالم بعرف المي، أنت بتعرف جانب منه، أما الجانب الأكبر، هو اللي بقضي معه الليالي، آه من الليالي شو عملت بصاحبك.

يؤشر بيده إلى امرأة أخرى انظر انظر هذه امرأة الدكتور البرميل، مش حرام إنها تكون مرته، وأنا عندي شبه مره؟ أنا الإنسان المرهف الرقيق، أنا من يتهاوى رقة ونعومة؟ من يعبد الجمال ويبني له مقام؟ الله يسامح والدي، لولا شحطة صغيرة لكانت سلمى زوجتي، سلمى أجمل امرأة في المدينة سلمى بحر اللولو، أبي لم يتنازل اعتقد انه سيعيش إلى الأبد، زوجني من امرأتي دون أن يأخذ رأيي، قال إنها بنت ناس، تحفظك في عرضك ومالك، لم يكن سامحه الله يعلم انه يحكم علي بالإعدام، لو قبل سلمى لعبدتها، لأمسكت بيدها ولجريت رافعا راسي بها وبجمالها، لذهبنا معا إلى دور السينما والى الحفلات والأعراس، لفاخرت بها وبجمالها كل رجالات المدينة، قال ايش؟ قال خاف علي من إنها تركبني، أنا أبو سما بتقدر امرأة إنها تركبني؟ أبي لم يعرف أي سبع أخفي بين عطفي، لم يعرف كيف تشتد هاتان اليدان حينما يطلع طبعي، وأي رعب أدبه في قلب المحيطين بي. أنا حينما أكون رائقا أخاف من ولد صغير، ولا املك من القوة شيئا، لكن حينما يطلع طبعي، فان عيني تقدحان شررا وهاتان اليدان تصبحان من حديد وفولاذ، لو أنني تزوجت من سلمى لما كان ما كان ولما تزوجت من امرأة لا علاقة عاطفية بيني وبينها، أنا الآن قاربت الستين من عمري، وما زلت اشعر بالظمأ يجتاح أطرافي، الظمأ إلى المرأة، آخ لو تعرف ماذا فعل الظمأ إلى المرأة بصاحبك، ستون عاما مضت وأنا انتظر ولم أجد قطرة ماء اروي بها ما اشعر به من ظمأ إلى الحسان الجميلات.

يتوقف يشير إلى رجل سمين يمر بالقرب منا، هل ترى إلى هذا البرميل الأجوف؟ هذا هو زوج أخت سلمى، أليس حراما أن يحظى هذا البرميل بان يكون قريبا منها وان أبقى أنا بعيدا بعد الثريا عن الثريا؟ ماذا كان سيحصل لو أنني أنا من عاش في ملكوت الجمال، ملكوت سلمى؟ ثلاثون عاما مضت من العمر وسلمى لا تغيب لها صورة من خيالي، سامح الله أبي لولا شعرة واحدة لكانت هي رفيقة دربي، ولكنت الرجل الأسعد على هذه الأرض، لكان بحر اللولو جاء إلي وأقام في بيتي.

يتوقف عن الكلام، كمن أدرك فجأة انه أوغل في مياه عميقة وخطيرة، تجول عيناه في أنحاء الشارع الممتد أمامنا، نحن الوحيدان الجالسان على محطة باص لن يأتي، نحن لا ننتظر الباص، وإنما نحن ننتظر إحدى الجميلات لؤلؤيات الساق، الكاحل القدم والأصابع، فهل ستأتي؟ يسيء فهمي لأول مرة، لا اعرف ماذا كان سيحصل لو لم اعتد على اللقاء بك في شوارع هذه المدينة الخربة، على كل حال أرجو أن تعذرني آنت الوحيد الذي يفهمني في هذا المنفى.

أرسل نظرة في عينيه، لا تعتذر أرجوك ألا تعتذر، أنت لا تعرف أي نزف إنساني أرى أمامي، احك احك لا تبق شيئا في مخيلتك.

انتظر أن يواصل كلامه إلا انه يتوقف، ابحث عنه لا أجده، ترى هل كنت أتحدث مع نفسي واليها؟ أنا من أحب سلمى ولم يحظ بها؟ أرسل نظري في فضاء الشارع الممتد أمامي مثل أفعى، في آخر الضوء أرى سلمى، هل احتاج إلى ستين عاما أخرى حتى أصل إليك يا سلمى، وهل ستنتظرين، تبتسم سلمى وأتابع.. الهذيان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الشاكوش

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دنت لحظة الحسم.

قلت لنفسي وأنا أرسل نظرة إلى الوجوه تغرق في الظلام، لم اعد أرى لا صاحب الصحيفة ولا أمه ولا أخاه، كل شيء يغرق في الظلام لا أرى سوى الأيدي متوترة على طاولة المكتب الممتدة بيننا. عيونهم تلمع في الظلام، كان واضحا أننا بتنا على قاب قوسين أو أدنى من الاتفاق أو الانفجار الأخير، كل منا يريد أن يصل إلى نتيجة يرجوها، أنا أريد أن افهم وهم يريدون أن يرتاحوا، نحن الطرفين، متعبان إلى أقصى حد، الحياة في الصحيفة باتت قاسية تكاد لا تطاق، نحن يجب أن نحسم أمرنا، أنا أريد أن اعرف موقعي في العمل وهم يريدون أن يرتاحوا من النظرات النارية التي يتبادلونها معي أثناء العمل خلال الدخول إلى المكتب صباحا وبعد خروجي منه مساء.

صاحب الصحيفة يتناول شاكوشا كبيرا، يضرب به على الطاولة، نعم نريد أن ننهي ما بيننا من مشاعر سلبية، لنبدأ فترة جديدة في عملنا، يتوجه إلي، نعم ماذا تريد؟ أريد أن اعرف موقعي في العمل، أنا هنا ولست هنا، أقول، يرد مصرا على أسنانه، أنت تعرف انك هنا لو لم نكن معنيين بك لما جلست لحظة أخرى بيننا هنا في مكاتبنا.

- انتم لا تحترمونني كما ينبغي، تريدونني أن أكون برغيا صغيرا في آلتكم وانتم تعرفون أنني محرك كبير يمكنه أن يحرك كل ما في المكتب من سواكن. يعني أنت ترى نفسك مميزا وتريد أن نتعامل معك على هذا الأساس. نعم، أرد. يتودد إلي أكثر، نحن نعرف انك مميز، لكن هناك آخرين مميزين كل في مجاله. أنت تعرف انه يوجد هناك فرق بين كاتب محرر مثلك ومراسل ميداني. نعم اعرف ومن قال لك إنني لا اعرف؟ لكن لا يمكن أن يتحول مراسل ميداني إلى شخص مركزي تغيب أمامه بقية الشخصيات، بمن فيها المحرر المساعد (أرسل نظرة ذات معنى إلى أم صاحب الصحيفة).

تلمع عينا صاحب الصحيفة عبر الظلام، آه قل هذا كلنا نشعر بأنك ترى في نفسك مركزا يجب أن يدور حوله الآخرون؟ تريد هذا حقا؟ نعم ولم لا ؟ أرد.

يتودد إلى صاحب الصحيفة، هو لا يتردد في التودد إلي، حتى في لحظات اغتياظه كنت ألاحظ انه يفتعل الابتسامة في محاولة منه لتجنب أي نقاش، يقول لي: اسمع جيدا أنا هنا من يقرر، أنا صاحب المال وأنا من يقرر. من حكم بماله ما ظلم. أنا من يقرر هنا. هناك من يأتي بالخبر وهناك من يحرره، نحن نعرف انك كاتب كبير، ونعرف انك بيضت وجوهنا في مسألة الأخطاء الطباعة واللغوية، أما المتبقي، من عمل فانه يوجد هناك من يقوم به. اهتف به قل هذا قله منذ البداية، قل إنني اعمل مصوبا للأخطاء في الصحيفة؟ قل انك تستهين بقدراتي ولا تعرف بماذا أقوم من عمل وتحرير. أنت لا تعرف أي مجهود أقوم به. هذا وضع قاس، يجب أن يوضع له حد.

يبتسم صاحب الصحيفة. يواصل تودده إلي، لا أنكر أنني استلطف ابتسامته ووديته رغم ما تخفيه من عنف، يتناول الشاكوش، يضرب به على الطاولة، يهتف بي: تخطئ إذا كنت تفكر على هذا النحو، الصحيفة عمل ديجيتالي- رقمي، كل فيها يكمل الآخر، لا يوجد هناك من هو افصل واسوأ، الأسوأ لا يكون له مكان هنا في العمل، الأفضل يبقى، أما إذا كنت تقصد المشاعر الشخصية تجاه هذا العامل أو ذاك، فان الأمر يختلف، أنت كاتب ذو حساسية عالية، وتعرف أننا، نحن بني البشر، لا تحكم لنا بمشاعرنا إلا بقدر، وان ما يعجب واحدا منا قد لا يعجب الآخر.

يتوقف، أتمنى لو كان شاكوش صاحب الصحيفة بيدي لأضرب ضربة افجر بها الجلسة وعالمها، هذا هو. نعم هذا هو ما أردت أن استمع إليه، أنت تتحدث عن المشاعر، كلامك عنها صحيح، لكن الاحترام مسألة تختلف، أحيانا لا أحس بأنني إنسان محترم لديكم. وانك تحترمون الجميع إلا أنا، أيكون هذا لأنني إنسان اعمل بصمت وتواضع؟

يبتسم صاحب الصحيفة، أنت مخطئ في هذا. لا أريد أن اكرر أننا نحترمك، أنت تعرف هذا بينك وبين نفسك، يواصل ابتسامه، نحن لا نستطيع أن نتحكم بمشاعرك، أنت من يتحكم بها، ما ذنبنا إذا كانت مشاعرك تسير في اتجاه آخر لا تحبه أنت ذاتك؟

يصمت. يخيم الصمت على غرفة الاجتماعات، يتثاءب الصمت بيننا، ها نحن نصل إلى نقطة البداية بعد أن درنا معا عبر قطر الدائرة، نعم ها نحن نعود إلى النقطة ذاتها لكن من الناحية المقابلة، نحن الآن لسنا مـَنْ كنا قبل قليل، إنما نحن أناس مرهقون ومتعبون، نحن الآن نريد أن نرتاح، كل منا يتمنى لو أن هذه الجلسة لم تكن، وانه كان أفضل له لو انه بقي مسترخيا في فراشه القديم.

ماذا علينا أن نفعل؟

هل نقول إننا توصلنا إلى تفاهم وان الجلسة انتهت؟ يقول صاحب الصحيفة من ظلامه. نعم انتهت، لكنها لم تنته، اهتف من أعماق متاهتي، ماذا يعني هذا؟ تريد أن نواصل؟ لنواصل، نحن اتخذنا الاحتياط لكل شيء، هاتي ورقة البروتوكول، يتوجه إلى أمه قائلا، تناوله امه الورقة من أمامها، أرجو ألا تكوني نسيت أن تسجلي كل ما قلناه في بروتوكول الجلسة.

بروتوكول الجلسة؟ آه من بروتوكول الجلسة، وهل ذبحني وسفح كرامتي على الأبواب سواه؟ ماذا ستكتب أمه الفلعوصة المتصابية، اعرف أنها تميل إلى ذاك الغر التافه الصغير، قال ايش، قال معجبة به وبشجاعته في جلب الأخبار، هو شاب ذو حس صحفي متميز كررت أمامي في عدد من المرات، كأنما هي تريد أن تغيظني، هل ستواصل إغاظتها لي هذه المرة؟ لأستمع إلى البروتوكول.

يتناول صاحب الصحيفة الشاكوش، يهوي به على الطاولة، تلمع العيون، يبدأ في القراءة، لا اسمع، اعرف ديباجة أمه الممجوجة، حضر الجلسة المحررون وأبناء العائلة، تم اتخاذ عدة قرارات، يقرأ وأنا لا اسمع، أتوقف عند كلمات: تم الاتفاق على أن العمل في الصحيفة هو عمل ديجيتالي- رقمي، وان لكل مكانته الخاصة به، أما المشاعر تجاه الآخرين فهذا أمر شخصي.

انتصب على قدمي، أتوجه إليهم جميعا، اهتف بهم وماذا تتوقعون أن تكتب هذه، وأشير إلى أم صاحب الصحيفة، من المؤكد أنها ستتحدث عن المشاعر، ومن يعرفها مثلها؟ ألا يعني هذا بربكم أنها تريد أن ترجح كفة ذاك المراسل الولد؟

يتوتر الجو. تنقبض الأيدي، يقف كل من حول الطاولة، يتحرك صاحب الصحيفة، اشعر بالخطر الداهم، يرفع الشاكوش بيده ويجري باتجاهي، ولك واحد مجنون، نعرف انك مجنون، إلى هذا الحد يصل بك الادعاء؟ تريد أن تقول إن أمي على علاقة بذاك الشاب المراسل؟

اركض ويركض ورائي، أخيرا أصل إلى باب الغرفة، افتحه وانطلق بعيدا.. في الفضاء الرحب.

 

 

                                               متوالية حزينة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

طوال الطريق إلى البيت كان يدندن ببقايا أغنية نسيها رغم انه أحبها ذات يوم لما أثارته فيه من فرح هاجع في داخله، حاول أن يفتح باب بيته إلا أن الباب صده، لم ينفتح له، اخرج كوم المفاتيح من جيبه، بحث عن مفتاح البيت حتى وجده، ادخله في أكرة الباب وفتحه، آخ لو انه يجد المفتاح لمشاكله كلها بهذه السهولة، على كل حال هو يعرف أن الرياح تجري عادة بما لا تشتهيه السفن، ومن يعرف مثله. دعك من هذه الأفكار وادخل إلى بيتك مثل شيخ الشباب، لا تكن متشائما، التشاؤم لا يفيد. فعلا، التشاؤم لا يفيد.

في الداخل كل شيء صامت، صمت القبور يخيم على أجواء البيت، إلى أين توجهت زوجته؟ هي عادت للتو إلى البيت، بعد أيام من المعاندة والمكايدة، في بيت أختها في القرية المجاورة، اسكت اسكت يا ولد، لا تكن متشائما مثلما كنت طوال الخمسين عاما الماضية، كل ما قرأته خاصة مؤلفات محمد إبراهيم الفقي، شجعك على أن تكون متفائلا، كي يكون لك ما تريده من سعادة وفرح خاصة مع زوجتك. ماذا جرى لك؟ حتى تعتقد أن الفرح غادرك إلى لا رجعة؟

يتجول في البيت وهو يطلق صفرة يحاول أن يجعلها فرحة، يخرج من غرفة ويدخل إلى أخرى، هو قتل حاله كي يشتري له ولها ولأبنائهما هذا البيت، تنازل عن كل شيء امتلكه من اجل يريح ويرتاح، يدخل إلى غرفة نومهما، يستلقي على السرير المزدوج، كم هو اشتاق إلى هذا السرير، تنطلق نظرته مباشرة إلى كومودينو التزيين، يصطدم نظره بورقة وسكين هناك، يتناول الورقة، يقرا كلاما كثيرا مشوشا، إياك أن تعتقد أنني عدت إليك، يكفي أنني كنت مؤبدة في سجنك مدة عشرين عاما، اعتقد أن الوقت حان لان أتحرر منك ومن قيودك، اترك لك هذا السكين لتفهم منه، إما أن تدفع ما يستحق لنا أنا والأولاد من مصروف، وإما فأن القانون بيننا، أنا لا أريد أن أذبحك بهذه السكين، وإنما أريد أن اخذ حقي، لا يوجد هناك أي قانون في هذه البلاد، يضطر إنسانا على أن يعيش مع إنسان آخر بالقوة.

ترى أين ذهبت؟

ينطلق في الشارع الرئيسي، ربما ذهبت إلى ذاك المطعم، ربما من يعلم، هي كلما أحست بضغط ما، وما أكثر ما أحست، تتوجه إلى ذلك المطعم في مركز المدينة، بالقرب من ساحة شهاب الدين، بالضبط حيث يجلس بعض من حكماء المدينة، قدماه أخذتاه إلى هناك، كان يحمل الورقة والسكين. بحث عنها في كل مكان، أخيرا رآها في داخل المطعم، كنت اعرف انك أتيت إلى هنا.

يرسل نظره إلى الساحة لا يرى هناك سوى قلة من الحكماء، هيك أحسن، وماذا سيفعل الحكماء، يرسل نظرة أخرى إلى داخل المطعم، تلتقي نظراته بنظراتها، تخرج من المطعم، تقف هناك بالقرب من اقرب حكيم، تمد يدها محذرة إياه، لا تقترب أكثر، عودتي إلى البيت لا تعني أنني أريد  أن استأنف الحياة معك، مؤكد انك قرأت رسالتي وفهمتها تمام الفهم، أنت كاتب وأديب وتفهمها على الطاير، حياتنا معا انتهت، بإمكانك أن تبقى غريبا في بيتك، أو تغادر أما واجبك نحوي ونحو الأبناء فانه سيصلني كل شهر وإلا قلبت عالي دنياك سافلها.

يرسل نظره إلى الحكماء، ماذا تراه يفعل، منذ أكثر من عشرين عاما وهو لا يعرف ماذا يفعل، يتوجه إلى حكماء مدينته؟ يريهم السكين وليقرؤوا هم بعد ذلك ما يقرؤون فيها؟ اجل ليفعل ليس بيده أن يفعل سوى هذا.

يتوجه إلى حكيم جليل، تحدث يا سيدي تحدث أهذا هو العدل الذي ننشده؟ أعطي كل ما هو مطلوب مني من واجب ولا اخذ أي حق؟ حتى وجودي في بيتي بات عليه علامة سؤال، يتناول الحكيم الورقة من يده،ه يقرا بصورة صامتة، يهز رأسه، علامة على انه فهم، يتوجه إلى الزوجة، التفاهم أفضل يا أختي، افهم من كل ما حدث ويحدث أن زوجك شاريك ولا يريد أن يتنازل عنك، تفاهما أفضل، أنتما لستما صغيرين، من المؤكد أن أبناءكما صاروا شبابا، حتى لو قصر زوجك قليلا، فان هذا لا يعني أن تهدمي بيتك بيدك، لو أن كل زوج قصر بحق حليلته لما بقي بيت على بيت ولا حجر على حجر في هذه المدينة، اصبري وتذكري أن الراحة الكبرى لا تنال إلا على جسر من التعب كما قال إمام شاعر.

تزور الزوجة عنه كمن لا يريد أن يستمع إلى ما يقوله من قبالته، فجأة يتوقف الحكيم عن الكلام، يأخذ في الابتعاد عنها، ثم يولي هاربا، يوجد لدي في بيتي من هي أصعب منك، يتوقف على مبعدة أمتار من الزوج، من أين أتيتني أنت من أين أتيت لتفتح كل هذه المواجع، سامح الله إسرائيل، جاءت إلينا نحن الفلاحين البسطاء بحضارة أوروبا لتفرضها علينا فرضا، يجري الحكيم في الشارع.

تبقى الزوجة في موقعها لا تتزحزح عنه، يتقدم حكيم آخر، يبرطم بكلمات لا يسمعها الزوج، ثم يولي هاربا مرددا مثلما قال سابقه، تتكرر الصورة مرة ثالثة.

يحاول الزوج أن يهرب بأنظاره، تواجهه أشجار قليلة عارية في الساحة، يرى كم هي الطيور عليها سوداء، يتوجه إلى زوجته يحاول أن يمسك بيدها، تبتعد عنه، سر أنت أمامي، اعرف انك لا تملك إلا أن توافق على ما طلبته منك، أنت لا تعرف أكثر من محام، ستدفع وستكون بعيدا أيضا، ستدفع ورجلك فوق راسك.

يتوجه الزوج إلى الشارع الرئيسي، ينطلق باتجاه البيت، هذه المرة يدندن بأغنية حزينة يعرفها تمام المعرفة” مين عذبك تتخلص مني وذنبي إيه بتعذب في”، ينطلق باتجاه بيته، يحرص على إلا ينظر إلى الوراء، يدرك انه خسر مرة أخرى، يرسل نظره إلى السماء، يرى الطيور السوداء تملا أجواء المدينة. من أين اءت كل هذه الطيور، يقول لنفسه، ويتابع حزنه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                السؤال الناقص

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-         نعم سيدي الأديب المحترم.

يتخذ الأديب المحترم مجلسه قبالة المذيع التلفزيوني، المذيع يهيئ نفسه للبدء في طرح الأسئلة، فيما يحاول الأديب المحافظة على العلاقة البصرية به، كي يكون التواصل بينهما قويا كما اقنع نفسه بعد أن قرأ مقالة حول هذا الموضوع.

يتوجه المذيع إليه سائلا إياه:

-         لنبدأ الأسئلة، كيف تنظر إلى الأدب الفلسطيني اليوم، بعد كل ما حصل من متغيرات فيه وفي العالم المحيط به ؟

يتحرك الكاتب في مقعده:

-         اعتقد أن هذا الأدب يشهد حاليا فترة غير مسبوقة من الازدهار، وان فترة تبعيته للسياسة انتهت، قارئ هذا الأدب شرع اليوم يطالب بأدب حقيقي يوقظ الإنسان في داخله، قارئ هذا الأدب لم يعد يكتفي بالشعارات، كما حصل في العقود الماضية، وبات الكاتب أمام واحد من تحديين إما أن يكتب عن إنسانيته، معاناته اليومية، ما يفرحه وما يحزنه فيها، وإما يلم أوراقه ويركن إلى الراحة. الأدب الفلسطيني في الفترة الماضية اثر أن يكون تابعا للقرار السياسي، لهذا لم ينتج قصة وشعرا ذا بال، ومن أراد الإبداع فيه، تحول فيما بعد عن تبعيته هذه وتمرد عليها، وانصرف إلى الإنتاج الحافل بالحس الإنساني، اعتقد أننا يجب أن نولي هذا الحس ما هو جدير به من اهتمام، لأنه هو ما يساهم في التطور الأدبي والمجتمعي، أنا مثلا من قرية مهجرة إلا أنني كنت واعيا منذ البداية إلى أن للسياسة رجالها وللأدب رجاله، لهذا لم اكتب أدبا سياسيا مباشرا، وأنتجت منذ البداية مثل هذا الأدب. أنا مثلا…

يقاطعه المذيع:

-         فيما بعد، فيما بعد نتحدث عن تجربتك الشخصية، الآن أريد أن أسالك هل كان الأدب الفلسطيني كله مسيسا في الفترة السابقة؟

-         كلا ، بالطبع كان هناك مبدعون اثروا أن يكونوا أدباء، يكتبون أدبا إنسانيا إلا أن هؤلاء كانوا قلة واستثناء، أما الكثرة فقد فضلت أن تستفيد من سطوة الأحزاب لهذا تم تسليط الضوء عليها وتم تجاهل الشريحة الحقيقية في مجال الإبداع، ربما لهذا بات من الواجب علينا أن نعيد تقييم أدبنا شعرا ونثرا.

-         الم يجمع البعض بين الإبداعين ألسياسيي والأدبي؟

-         كانت هناك محاولات، إلا أن السياسة كانت هي الطاغية، وأنا لا أنكر أن انتهاج أدبائنا للسياسة أحسن للقضية والوجود الفلسطيني في البلاد، إلا انه بقدر مات أحسن، أساء، لقد أحسن على المدى القريب، في توصيل قضيتنا إلى العالم، إلا انه تجاهل بهذا، الدور الذي يقوم به الأدب ويؤديه في الحياة وهو اغناء الروح الإنساني، عبر نقله للتجارب الحقيقية.

المذيع مقاطعا:

-         وما هي هذه القضايا؟.

-          إنها قضايا تتعلق بالمشاعر تجاه ما يدور في مجتمعنا من قضايا، قضية العنف في الأسرة، قضية المرأة، قضايا القوانين التي تفرضها السلطة الإسرائيلية علمنا كمجتمع ما زال اقرب إلى ألفلاحي في عقليته منه إلى المديني، أنا مثلا أثرت في كتاباتي معاناتي..

المذيع مقاطعا:

-         فيما بعد نتحدث عن تجربتك الشخصية. نحن نعرف انك صاحب تجربة غنية وخاصة، فيما بعد نتحدث، الآن أريد أن أسالك عن استقبال القارئ لهذا الأدب.

يتأفف الكاتب في مقعده:

-         القارئ عادة ما يستقبل ما يقدم إليه بحسن نية، في الفترة السابقة انجرف هذا القارئ مع الجو العام الذي فرضته الأحزاب السياسية بتشنجاتها، أما في الفترة الراهنة، فترة الفضائيات فان هذا القارئ بات أكثر حرية في الاختيار، فهو يجلس في بيته ليقرا ما يشاء وليشاهد ما يروق له، دون أي حسابات خارجية كما حصل في الفترة السابقة.

المذيع:

-         لكن يوجد هناك من ما زال يحن إلى الفترة السابقة ويرى أن كتابها أنتجوا أفضل مما أنتج كتاب هذه الفترة المتصفة بالتشتت كما يرون.

الكاتب:

-         من هم هؤلاء؟ لقد قرأت ما كتبه بعضهم، هو من بقايا الفترة الماضية، وما زال يؤمن بقيمها، ولا يستطيع أن يتأقلم مع الفترة الجديدة لأنه غريب عنها. ما كتبه هذا أو ذاك في هذا المجال لا يعدو كونه حنينا إلى الماضي، لا يرى أصحابه الواقع كما ينبغي. هؤلاء لا يعرفون أن القضايا المجتمعية باتت هي الأشد إلحاحا، أنا مثلا كتبت عن قضية…

المذيع:

-         فيما بعد فيما بعد نتحدث عن تجربتك الشخصية وعما كتبته. لقد انتهى وقت البرنامج، هل تريد أن تقول كلمة خلال ثانية هي المتبقية من وقت البرنامج؟

الكاتب:

-         فيما بعد فيما بعد نتحدث.

 يغادر الكاتب الأستوديو، يضرب في الشوارع على غير هدى، يلح عليه ما جرى في المقابلة، هو تحدث عن العديد من القضايا، عن معظم القضايا تقريبا، إلا عن قضية واحدة هي قضيته الشخصية، قضيته الحارقة مع زوجته ومجتمعه، يرسل الكاتب نظره إلى الأفق العيد، ما هذا الفراغ؟

 

                                          رحبة عبدالله

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تصور

 

 

فضاء لا مـُتناه ٍ، جبال وديان سهول حـُفر، صوت يأتي من بعيد، ومن لا يحب صعود الجبال يعش ابد الدهر يين الحفر، امض يا عبد الله في طريقك لا تخف، طريق الحق موحش، لكنه الطريق الصحيح، لا تستوحش هذا الطريق لقلة السالكين فيه، امض يا عبد الله، ضع نصب عينيك هدفا وامض، لا غاية أفضل من الغاية ولا ضلال أو حزن بعد أن تجد الطريق وتمضي فيه.

يستلقي عبد الله قريبا من حفرة هناك، يستلقي وعيناه إلى الأعالي، إلى رؤوس الجبال هناك في الأفق البعيد، إنها غاية الوصول وسدرة المنتهى.

يواصل إرساله لأنظاره هناك في البعيد، في كل مرة يكتشف انه إنما يرسل أنظاره وكأنما هو يقوم بما يقوم به للمرة الأولى له على هذه الأرض.

الدخان يلف عبد الله، يلفه بضبابه وكأنما هو يريد أن يـُقمـِّطه، أن يلفه مثلما كانت تفعل أمه أيام كان صفيرا قبل خمسين عاما، يريد أن يحميه من نفسه ومن قريته الظالمة.

 

 

محاورة

 

 

يطل أهالي القرية على عبدالله، هناك قريبا من حفرته، لقد عثرنا عليه، عثرنا على رجلنا الصالح، انه يكاد يموت من اجلنا، دعوه دعوه، هنا، ما دمنا عثرنا عليه، فان إثمه نزل عنا، نحن لسنا مسئولين عنه، لا تقل هذا يا أخي، لا تقله، عبد الله واحد منا أراد أن يحترق بناره، نار اليقين، كي يضيء في ليلنا، فهل ندعه يموت هنا؟ ثم هل نحن بحثنا عنه كي نطمئن على انه ما زال على قيد الحياة ولما يمت بعد؟ أم أننا لحقنا به إلى هنا قطعنا المسافات الشاسعة في البحث عنه، كي نقول له الآن مت بسلام؟

اللغط يتعالى بين أهالي القرية، لنسال حكيمنا لنسأل من أقنعنا بأننا لن ندرك خلاصنا إلا إذا فكرنا بما قاله لنا عبد الله، وبما طلبه منا، قبل مغادرته لنا ومضيه في طريقه بعيدا عنا، لنسأله ماذا تقول لنا يا صاحب الحكمة الرفيعة؟ نحن لا نريد أن نفقد عبدالله بعد أن عثرنا عليه، أنت ترى انه، بما توصل إليه، إنما يضعنا أمام واحد من أمرين، إما أن يعيد كل منا، ما انتزعه من أخيه وابن قريته، وإما أن يفارقنا غير آسف ويمضي، اسمعوا يا أبنائي، اسمعوني جيدا، إذا كنتم تريدون أن يبقى عبدالله بينكم، عليكم أن تطيعوه وان تسيروا في طريق طالما رجاكم أن تمضوا فيه، هو طرق الحق، افعلوا ما طلبه منكم، لن تخسروا شيئا، قد تخسرون بعضا من متاع الغرور، لكنكم ستربحون الدنيا ابد الدهور، عبدالله كان مدركا لما أراده انتم من لم تعرفوا، وآن لكم أن تفيقوا، آن لكم أن تكونوا مع أنفسكم كي يكون العالم معكم. وماذا علينا أن نفعل الآن؟ وهل تضمن لنا أن يبقى عبدالله بيننا؟ لا اضمن شيئا يا أبنائي، لا اضمن شيئا، لا يوجد ما يمكن أن نضمنه في هذه الحياة الفانية، ما أضمنه لكم هو أن عبدالله باق هنا بينكم إذا سرتم على طريقه حتى لو لم يعد بينكم بجسده، هل يعني هذا أن عبدالله سيرحل عنا؟ وهل هذا ما تراه بنظرتك الثاقبة؟ هذا هو السر، هذا هو السر، عبد الله طلب مني ألا أبوح به ألا بعد أن تنفذوا ما طلبه منكم.

 

 

أشباه عبدالله

 

 

على العكس من حياتها الماضية، تعيش القرية حالة من السكون، ظلام أوضح من الضوء يلفها كأنما هو يريد أن يتيح لكل منهم أن يعيد ما سلبه من أخيه، بعد أن تنازل عن كبريائه الأجوف، يختلط حابل القرية بنابلها، إنها رياح الشرق التي أرادها عبدالله أن تهب على قريته، تلف القرية من أقصاها إلى أقصاها، لا شيء يبقى على ما هو عليه في القرية، بعض البيوت ينتقل من مكانه، المواشي تنطلق في نهاية الليل إلى حظائرها، خارطة جديدة ترسمها يد عبدالله للقرية، ما أجمل هذا، ما أجمله يا عبدالله، ها هم اهلك يسيرون على طريقك، الآن بإمكانك أن تغادر، الآن بإمكانك أن تمضي في طريقك اللانهائي، وأنت مطمئن، على أناس أحببتهم، هم اهلك وأحباؤك، واصل طريقك يا عبدالله واصلها وأنت مطمئن.

*يتوجه أهالي القرية إلى حكيمهم، ها نحن فعلنا ما أراده عبدالله، فأين هو؟ انتم أولا لم تفعلوا ما أراده عبدالله إنما فعلتم ما كان ينبغي عليكم أن تفعلوه، عبدالله لفت أنظاركم إلى ما انبغى أن تروه، هذا كل ما فعله، أما أين ذهب عبدالله فقد مضى في طريقه، بعد أن اطمأن على قريته، وخلصها مما هي فيه من ظـُلم ألحقته بذاتها عبر أجيال وأجيال، لكن أين عبدالله؟ أين هو يا حكيمنا؟ اسمعوا يا أبنائي. اسمعوا ما أقوله لكم جيدا، عبدالله الشخص مضى في طريقه، أما عبدالله الفكرة فقد بقي، لينظر كل منكم إلى وجه الآخر، ماذا يرى؟ ألا يرى عبدالله فيه، ألا تلاحظون كم بتم تشبهونه؟

ينظر كل من أهالي القرية في وجه الآخر، تصيبهم حالة من الفرح المشوب بالحزن، فعلا باتوا جميعهم يشبهون حبيبهم عبدالله، تفترش الابتسامات وجوههم منذ المئات من القرون، ما أحلى هذا ما احلي أن يبقى عبدالله في وجوههم وقلوبهم. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                      تعليم اللغات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الليل ليس ليلا، ولا الجدار جدارا، ولا حتى المقبرة مقبرة، من ترى تلك المرأة؟ إنها في مثل سن زوجتي، ومن تلك الصغيرة؟ هل تكون ابنتي؟ معقول؟ أنا تركت البيت مرغما قبل خمسة أعوام، كانت زوجتي حاملا، لم أتابع أخبارها كنت عاتبا عليها، ذهبت إلى متاهتي أعيش فيها ليل نهار، أحاور الكلمات، أنا الكاتب العربي رشيق العبارة، في بلاد لا تعترف بهذه اللغة إلا بحدود وربما رفعا للعتب، عتب من؟ عتبي؟ كلا. عتب العالم ربما، أنا رجل لا احد يحسب له حسابا، منذ طردتني زوجتي وأنا اشعر أنني مقذوف خارج التاريخ، لا اثر ولا تأثير لي.

تستوقف الصغيرة أمها، أتوقف. أرسل نظرة متفحصة إلى المرأة، إذا كانت هي زوجتي فان تلك الصغيرة ستكون ابنتي تقريبا.

اسمع الصغيرة تسال أمها: متى سيأتي المحامي؟ أنا زهقت، ماما أريد عندما اكبر أن أصير محامية، أريد أن أريحك من انتظار المحامي. تريدين أن تصبحي محامية يا حبيبتي؟ هذا جميل. ماما أريد أن أتعلم العبرية، المعلمة في المدرسة قالت إن الواحد في هذه البلاد لا يصير محاميا إلا إذا تعلم العبرية، ماما أريد إن أتعلم العبرية، المعلمة تقول إنني يمكن أن أتعلم على يد معلم خاص.

صوت الاثنتين، خاصة صوت الصغيرة ليس غريبا عني انه صوتي بصورة أخرى، ربما كانت ابنتي، ادقق النظر في وجه المرأة لا بد أنها هي امرأتي، الظلام صعـّب علي رؤية وجهها كي أتأكد، لأغمض عيني إذن، لاستخرج صوتها من أعماق الذاكرة، لا بد أنها هي، أنها هي، لا تتسرع يا ولد قد لا تكون هي، بل إنها هي، أنت رجل حالم تخلط بين ما تريد وتتمنى وبين الواقع، أفق يا رجل إلى نفسك، أفق بعد أن غرق المركب وتاهت سفينة زواجك في محيطها المائج اللجي، ربما تكون أضعت البوصلة، فاختلط عليك الأمر ولم تعد متمكنا من التمييز بين الحلم والواقع.

متاهة لا حدود لها، ليل وقبر وتشتت، أي وضع هذا؟ ماذا بإمكاني أن افعل كي أكون في واحد من عالمين كل منهما اعرص من الآخر، عالمي الواقع والخيال، أنا لابد أن اعثر على حقيقة هذه اللحظة وإلا فإنني سأنفجر وانتهي، بعد انفجاري ليس هناك اقرب من المقبرة.

اسرح في عالم الأم والصغيرة، ما الذي حصل لهذه المرأة زوجتي، حتى أنها باتت لا تحب عينيها لأنها قد تراني بهما، من أتى بي إلى هنا؟ ولماذا فعل هذا؟ الم يكن أجدر بي أن أبقى هناك في ظلامي الأبدي؟ ذاك الذي حكمت به علي زوجتي؟ كم أنا بحاجة إلى لحظة يقين تعيد إلي بعضا من توازني المفقود. صعب جدا أن تجد نفسك قريبا من الحقيقة بعيدا عنها في الآن.

أرى ظلا قادما من العتمة المخيمة، أتبين شكله رويدا رويدا، الرجل يبدو أنيقا في غاية الأناقة، تؤكد أناقته بدلة إسرائيلية تقف على أذيالها، بعد أن كويت ونشيت على الأصول المرعية لدى علية القوم.

يقترب الرجل من المرأة.

 تأخرت قليلا اعتذر.

تتوجه إليه الصغيرة، هل يمكنك أن تعلمني اللغة العبرية؟ أنا أريد أن أصير محامية مثلك. يبتسم المحامي، أنت تعرفين انه لا وقت لدي، سأرشد والدتك إلى من يعلمك اللغة العبرية. تهتف الصغيرة أمي أريد أن أتعلم اللغة العبرية. تربت الأم على ظهر صغيرتها ستتعلمين العبرية، لا تلحي فهمت عليك.

يغمض المحامي عينيه كأنما هو يحلم بليالي ألف ليلة وليلة، يفتح عينيه ويتوجه إلى المرأة، أريدك أن تزوريني في مكتبي، تعالي بعد الدوام، سيكون لدينا الوقت للنظر في قضية طلاقك، خمسة أعوام من بـُعد زوجك عن البيت تمكنك من طلب الطلاق والحصول على حقوقك كاملة، أريدك أن تأتي إلي، الآن، ما رأيك؟ وبالمرة اعلم الصغيرة بعض الكلمات العبرية، نبدأ الدرس الأول.

يبدو أن المرأة تفهم المرامي البعيدة لكلام المحامي قبالتها، تسوي جارزتها وازنة إياها على كتفيها، تتعمد أن يظهر كتفاها.

افهم أن الرسالة وصلت إليها وأنها وافقت على عرض المحامي. يؤكد هذا أن المحامي يمسك بيد الصغيرة، وينطلق والى جانبه المرأة.

تتوقف أنفاسي للحظة، قدماي تحملاني وتنطلقان بي خلفهم، هم الثلاثة، وهل املك سوى هذا؟ وهل يملك من هو مغيب، حينما يشك في انه قد يكون، سوى أن يكون؟

الثلاثة ينطلقون وأنا انطلق وراءهم، أنا رايتهم دائما، هم لم يروني بالمرة، ولن يروني إلا بعد أن تنتهي هذه اللعبة المضنية، أما إذا لم تنته فإنهم لن يروني وسوف أعود إلى متاهتي أحاور فيها الكلمات، وكان شيئا لم يقع، وكأنما الحلم لم يدن من الحقيقة.

هم ينطلقون وأنا انطلق، ما أقسى هذه الشوارع تعرفني ولا تعرفني، في لحظة، في اغماضة عين لا أكثر اكتشف أنني فقدت أثارهم، هم إذن كانوا يعرفون أنني أسير وراءهم، وأنا إذن إنما كنت اكذب على ذاتي عندما اعتقدت أنهم لم يروني، ما أن سنحت اللحظة حتى اختفوا، هذه هي الرسالة الأكثر وضوحا التي أتلقاها في هذا الليل، هي زوجتي إذن وتلك ابنتي أما الرجل الذي يدور الحديث حوله على اعتبار انه توجد هناك رغبة في التخلص منه بالطلاق فهو ليس إلا أنا. ترى ماذا افعل؟ ابحث؟ بالطبع ابحث، لكن أين يمكنني أن أجدهم في هذا الليل؟ أو لم يحصل في الماضي أنني ما أن وجدت شعاع الأمل حتى أضعته فقضيت المتبقي من وقت ابكي حظا زارا غبا وغادر غبا أيضا؟ لن أتردد أنا الآن قريب من ابنتي، إذا كانت ابنتي فعلا فإنني سأعلمها اللغة العربية أولا بعد ذلك اعلمها العبرية، لغة المحامين، أما تلك المرأة، فإنها إذا كانت زوجتي، فإنني سأمنع ذاك المحامي من النيل منها، وسوف أؤكد له أنها لي وليست له، وان الله خلقها قريبا مني ومن ضلعي وليس قريبا منه ولا من ضلعه النجس. هذه هي اللحظة المناسبة لأثبت لها، إذا كانت هي، أنها هي من كانت الملكة ومن ستبقى، وسوف أدافع عنها حتى لو كلفني دفاعي هذا حياتي.

قال معلمي، إذا أردت أن تجد بيتا في الظلام، ابحث عن شعاع مهما خفتت قوة اشتعاله وسوف تصل إلى ما تريد، رنت هذه الكلمات في أذني، كأنما هي خلقت لتلك اللحظة الصعبة، فجريت وراء أول شعاع، ما أن وصلت إلى هناك، حتى استمعت إلى الضحكات تتعالى من الظلام، ضحكتها ضحكة زوجتي أرشدتني إليها هذه المرة، إنها هي أنا من استمع إليها بكل جوارحه، وأول من استمع، هي ضحكة لا تخفى بين ضحكات جميع نساء العالم، وليس إسرائيل فحسب.

قوة هائلة تدفقت في عروقي، قفزت في وسطهم، رايتهم كلهم، كانت تلك زوجتي فعلا، دنوت منها، فر المحامي من المكان، لن تكوني لقمة سائغة لأحد، أنت لي وهذه ابنتي، أنا من سيـُعلمها العربية والعبرية وكل اللغات، تقترب الصغيرة مني، أنت أبي حقيقة؟ ستعلمني كل اللغات؟ ترسل نظرة حالمة نحوي، تدنو منها أمها، ترسل نحوي ابتسامة اختبأت خمسة أعوام، تدفع الصغيرة نحوي، اذهبي إلى أبيك، تتوجه نحوي، هذا ما كنت أريده منك، هذا ما كنت أريده منك، الآن تأكدت من انك تريدني. أتمعن في وجهها: هي زوجتي فعلا.

 

 


[عدد التعليقات على هذا الموضوع: تعليق واحد]
[التعليقات التالية لا تعبّر عن توجه المدونة وانما عن رأي صاحبها فقط]

anha f3la mtl ma 2al almolf al3zem nage daher an al2ss alte ktbha 7lwh kter

يوم: 18 فبراير , 2011 | 1:27 م


الاسم:(ملزم)